بقلم : محمد المياحي
إذا أردنا أن نتحلّى بسِمة العصرنة وتطوّرها، فلا بدّ أننعطي النصّ الروائي بُعدًا آخر يخرجه من البوتقة الفنيّةإلى قيمة معرفيّة؛ لأن هذا الخروج عن القولبة المعهودةأمسى حاجةً ملحّة.
من هذا المنطلق أعتقد أنّ رواية (العوالم السبع) في جزئيهاالأوّل والثاني جسّدت هذه الفكرة؛ فهي رواية معرفيّةبامتياز. فالكاتب جعل من نفسه حاملًا لرسالة يسعى إلىنقل فكرتها الخطيرة إلى الآخرين؛ إذ إنّ الهمّ الذي كان يحملهإزاء الواقع المستهدف دفعه إلى كتابة هذا المنجز.
الرواية رمزيّة البناء إلى حدٍّ كبير؛ حتى إنّ الشخصيات لمتكن شخصيات بالمعنى السردي المتعارف، مع أنّها تتحلّىبصفاتها، بل إنّ أغلب الشخصيات كانت رموزًا لأفكار؛فـ«حنظل العسل» يمثّل فكرة (صناعة الأشخاص والأفكارالكونيّة التآمريّة)، و«اللورد ماكارثي» يجسّد فكرة التسلّطوصاحب القرار الدولي.
اعتمد الروائي في الجزء الاول على طرح فكرته في طيّاتعناصر الرواية (الحوار، الرؤية، الزمان، المكان…). أمّا فيالجزء الثاني فقد اعتمد بشكلٍ كبير على الحوار، ولا سيّمانوعه الأوّل (الحوار المباشر) الذي تكفّل السرد بطرحه لاالراوي (السارد).
وهنا لا بدّ أن نسأل: ما سبب هذا التحوّل؟
الجواب: كان الجزء الأوّل تأسيسًا للفكرة التي أراد طرحهافي منجزه، فكان لزامًا التنويع في العناصر بشكلٍ متوازن. أمّا في الجزء الثاني فقد اختلف الأمر؛ لأن الحمدي أرادالتوسّع والتشعّب، ممّا أدّى إلى توظيف الحوار بوصفهيمتلك ميزة الطرح، لما له من مساحةٍ أوسع وفق آليّاتسنبيّنها.
معرفيّة الفكرة في الرواية
لا بدّ من القول إنّ الرواية ـ بشكلٍ عام ـ تمتلك وظيفة المعالجةوالطرح عبر الفكرة أو تعدّدها، وأنا شخصيًّا أعتقد بأنّالرواية عالم الأفكار بامتياز مع عدم إغفال الجانب الفنّيوالجمالي.
ومن الجدير بالذكر أنّ فكرة رواية (العوالم السبع) مميّزة،وتقنيّة تقديمها موفّقة؛ إذ قامت على (ضرورة فهم نظريّةالمؤامرة والتنبيه إلى خطرها).
سنحاول التعرّف إلى الفكرة في الرواية وطبيعتها من حيثالتعامل معها، وهل إنّ عبد الجبار الحمدي اعتمد هذا المنهجفي مشغله السردي؟
الفكرة في النص السردي ـ بما فيه الرواية ـ لا بدّ أن تقومعلى معادلة مفادها:
اتسام الفكرة بالعاطفة
وتلازميتها لبنية الصراع
سواء أكان صراعًا مع الآخر أم صراعًا مع الذات (صراعًاسيكولوجيًّا).
وهنا تنتج للفكرة وظيفتان:
١- تكشف انطباع صاحبها عن عالمٍ معيش.
٢- تكون قوّة جذبٍ للقارئ.
وهذا ما وجدناه في الرواية؛ فالفكرة قائمة على فهم نظريّةالمؤامرة ثم التحصّن منها، وهذه النظريّة ـ لما لها من خطورةـ تحمل صفة عاطفيّة؛ لأنّها تلامس القلوب (الخوف) والعقول (العمل على تجنّبها).
أمّا التماهي مع فكرة الصراع، فكلّ مفاصل الرواية قائمةعليه:
صراع مع الآخر: استهداف الماسونيّة والنورانيّينللمجتمعات.
صراع مع الذات: «حنظل العسل» وعُقَده النفسيّة.
ومن منطلق أنّ كلّ ما لا يخدم الفكرة في السرد يُعدّ ترهّلًاوزيادة غير مبرّرة، عمد الروائي إلى تجريد أيّ جزئيّة فيالرواية من الحضور ما لم تكن وسيلة لتعزيز الفكرة بوصفهاحاجة معرفيّة مرتبطة بمصير العالم المستهدف.
سؤال: هل فكرة الرواية جزء من السرد الروائي في هذاالمنجز؟
الجواب: الفكرة لا تُعدّ عنصرًا مستقلًا، بل هي جزئيّةتتماهى مع كلّ أركان الرواية، وهذا ما عمد إليه الحمدي؛ إذنجد عناصر الرواية تحمل دلالةً عن فكرة النص، فكان هذاالتمثّل أشبه بوحدة موضوعيّة متظافرة مع البنية الشكليّة.
علاوةً على ذلك جعل الكاتب الفكرة تلامس مشاعر المتلقّي،ويتّضح ذلك في بناء شخصية «حنظل» من لقيط إلى حاكمللشرق الأوسط؛ إذ يتجسّد هذا الطرح بوضوح.
الحوار في الرواية
يُعدّ الحوار من العناصر اللافتة؛ فهو ليس مجرّد كلامٍمتبادل بين شخصيّتين، بل آليّة فاعلة لكشف الأفكار المتعلّقةبرؤيويّة الكاتب.
وقد تجلّت وظيفة الحوار في الرواية في:
كشف تشكّل الشخصيّة
كشف تحوّلات الشخصيّة
نقل الأفكار والرؤى
كشف السلطة
أولًا: الحوار وكشف تشكّل الشخصيّة
لا يقتصر على الشخصيّة الرئيسة، بل يشمل الشخصيّاتالأخرى؛ فمثلًا «اللورد ماكارثي» في مستهلّ الرواية:
«حسنًا أيّها الحنظل، اترك الملفّ على الطاولة… اذهبوننتظر الردّ».
ثم أشار له بعكازه للخروج.
هذه الإشارة السيميائيّة تعني أمرًا تنفيذيًّا وعلامةً للتسلّطوخنوع المقابل؛ أي شخصيّة ذات طابع رامز، فكلّ شخصيّةهي رمز لفكرة.
ثانيًا: تحوّلات الشخصيّة
نجد ذلك في حوار اللورد مع حنظل
إنّي لا أرى فيك ما يميّزك عن أيّ عبدٍ خادم نتعامل معه، لاأدري لِمَ المجلس السداسي رشّحك».
ثم في نصّ آخر:
«حسنًا سيّد حنظل، إنّي معجب برؤيتك ونضج أفكارك، إنّانطباعي عنك كان خاطئًا».
وهنا يظهر التحوّل في القناعات.
نقل الفكرة:
كما في حواره مع «فكرت»:
«أجل سيّدي حنظل فعلت، ولكن الشيطان أغراني…»
فيجيبه حنظل:
«أيّ شيطان أو شيطانة؟ نحن الشياطين».
وهنا نلمح الفكرة عبر متبنّيات الشخصيّة الرئيسة التيترمز لقوى التآمر بشكلٍ صريح.
حاول الروائي عبد الجبار الحمدي أن يحول النص من فنسردي جمالي إلى رسالة معرفية يجب على الكل تفهمها .
