فلاح الكلابي
الحبّ الأوّل غالباً لا يأتي في وقت نكون فيه مستعدّين. يدخل القلب فجأة، حين تكون المشاعر بسيطة، والتوقّعات محدودة، والخوف ما زال بعيداً. نحبّ فيه لأننا نشعر، لا لأننا فكرنا أو قررنا. نثق بسهولة، ونمنح بارتياحٍ، ونظنّ أن الصدق وحده كافياً ليجعل كلّ شيءٍ مستقراً.
في هذه التجربة الأولى، لا نملك خبرة تسبقنا، ولا إشارات تحذرنا. نتعامل مع المشاعر كما هي، دون حساب للخسارة أو التفكير في العواقب. نقترب بسرعة، ونربط سعادتنا بالآخر دون أن ننتبه. قد نخطئ في الفهم أو التقدير، لكننا نكون صادقين مع إحساسنا.
يبقى الحب في الذاكرة لأنه كان البداية التي فتحت باب الشعور. هو أول علاقة نتعلم فيها معنى القرب، وأول مرّة ندرك فيها أن شخصاً آخر يمكن أن يؤثر في حالتنا النفسية، في فرحنا وحزننا وهدوئنا. من خلاله نكتشف جانباً جديداً من أنفسنا لم نكن نعرفه من قبل.
ومع مرور الوقت، نفهم أن هذا الحب لم يكن قوياً لأنه الأفضل، بل لأنه الأوّل. هو التجربة التي تشكّل فيها الوعي العاطفي، والتي رسمت صورة الحب في داخلنا، ولو بشكل غير مكتمل. لذلك يبقى حاضراً في الذاكرة، لا بوصفه رغبة مستمرة، بل كأثر قديم.
انتهاءه لا يعني أنه كان خطأ، ولا يقلل من قيمته. كثير من العلاقات تنتهي، لكنها تؤدي دورها. هذا الحب يعلمنا كيف نشعر، وكيف نتعلق، وكيف نواجه الخيبة للمرة الأولى. وهي دروس لا تُفهم إلا بعد أن تمضي التجربة.
وعندما نتذكر ، لا يعني ذلك أننا نريد العودة إليه. في الغالب، يكون الحنين موجهاً إلى مرحلة من الحياة، إلى وقت كنا فيه أبسط، وأقل حذراً، وأكثر استعداداً للتجربة. نشتاق إلى أنفسنا كما كنا، لا إلى الشخص ذاته.
القلب الناضج لا ينكر هذه الذكريات، ولا يسمح لها بأن تعيقه. يعرف أن لكل تجربة وقتها، وأن بعضها خلق ليترك أثراً فقط. لذلك يحتفظ بالحب الأول بهدوء.
دون تمسك، ودون إنكار.
يبقى الحب الأول خطوة أولى في طريق طويل. تجربة نمر بها لنتعلم كيف نحب، وكيف نفهم أنفسنا، وكيف نميز بين الشعور والرغبة. قد لا يبقى الحب، لكن أثره يظل حاضراً، جزءاً من الرحلة التي شكلتنا ومضينا بعدها.
