سوء تصنيف البشر

فلاح الكلابي

 

استفزني أحد الأشخاص وهو يصف حالتين أمامي بثقة لافتة، كأن ما يقوله حقيقة طبيعية لا تقبل النقاش، شبيهة بتعاقب الليل والنهار أو اختلاف الفصول. تحدث عن امرأة محافظة، فوصفها بالمتعجرفة التي لا تتحدث مع أحد، ثم انتقل إلى امرأة اجتماعية فوضعها مباشرة في خانة الانحلال، دون تردد أو محاولة فهم. في تلك اللحظة لم يكن الاستفزاز في قسوة الوصف فقط، بل في سهولة التصنيف، وكأن البشر يمكن اختزالهم في صفات جاهزة تُلصق بهم بمجرد مظهر أو سلوك خارجياً.

تساءلت حينها: لماذا نميل إلى هذا النوع من الأحكام؟ ولماذا نربط الاجتماعية بالتفلت، والتحفظ بالتكبر؟ الإنسان الاجتماعي غالباً لا يتحرك من فراغ أو بدافع خفة، بل ينطلق من منظومة قيم أخلاقية واضحة، مثل التعاون والتكافل والرحمة واحترام الآخرين، ويعبّر عن هذه القيم من خلال الانفتاح على المجتمع، والتفاعل الإيجابي، وقبول الاختلاف، وبناء العلاقات الإنسانية. في المقابل، الإنسان المحافظ لا يقف على الضفة المقابلة للأخلاق كما يُصوَّر أحياناً، بل يستند إلى القيم ذاتها؛ العدل، والاحترام، وحفظ الكرامة الإنسانية، لكنه يختار التعبير عنها عبر الالتزام بالتقاليد والأعراف الموروثة، وغالباً بدافع الخوف من ضياع الهوية أو تلاشي المعنى، لا بدافع التعالي على الآخرين.

التناقض الذي نعتقد أننا نراه هنا ليس تناقضاً حقيقياً في الجوهر، بل اختلاف في الرؤية وطريقة التعبير. القيم واحدة، لكن السلوكيات تتنوع، وما نراه تعارضاً ليس إلا انعكاساً لعدم قدرتنا على تقبل الآخر خارج قوالبنا المسبقة. الخطأ لا يكمن في كون الإنسان اجتماعياً أو محافظاً، بل في إصرارنا على تحويل الاختلاف إلى حكم أخلاقي، وكأن أحد الخيارين يلغي الآخر. والحقيقة أن الإنسان قادر على الجمع بين الاجتماعية والمحافظة دون صراع داخلي، قادر على أن ينفتح دون أن يتخلى عن قيمه، وأن يلتزم دون أن ينغلق أو يعادي المجتمع.

حين نختزل البشر في أوصاف ضيقة، نصنع التناقض بأيدينا، ونحوّل التنوع الطبيعي إلى مصدر توتر وانقسام. المشكلة ليست في الأشخاص بقدر ما هي في طريقة التفكير التي ترفض الفهم وتكتفي بالإدانة. المجتمع لا يصبح أكثر عدلاً أو انسجاماً عندما ينتصر نمط على آخر، بل عندما نعترف بأن القيم الأخلاقية يمكن أن تُعاش وتُعبَّر عنها بطرق متعددة، وأن الاختلاف لا يعني الانحراف ولا التعالي. وحين نفرغ المساحة من التفكير السلبي الذي يرى في كل اختلاف تهديداً، يصبح التناقض الظاهري فرصة لفهم أعمق، لا سبباً لحكم أعمى.


مشاركة المقال :