المحامي علي الطائي
إن التكوين القانوني والسياسي لمعظم دول الشرق الأوسط لم يكن ثمرةً خالصة لإرادة شعوبها أو نتاجاطبيعيا لتطورها التاريخي الداخلي، بل جاء في سياق ترتيبات دولية فرضتها موازين القوة عقب الحروبالعالمية، وكرّستها اتفاقات ومعاهدات دولية صيغت خارج الإقليم.
وقد أفضت هذه الترتيبات إلى نشوء دول ذات سيادة شكلية، أُدرجت منذ البداية ضمن نظام دولي حدّدلها أدوارا ووظائف بعينها، تتجاوز في كثير من الأحيان الاعتبارات الوطنية الداخلية.
وبعد اكتمال الاعتراف الدولي بهذه الكيانات، لم تترك حريتها كاملة في رسم سياساتها الاستراتيجية، بلخضعت لرقابة غير معلنة تمارسها القوى الكبرى عبر أدوات القانون الدولي، والمؤسسات المالية،والتحالفات الأمنية، وآليات الشرعية الدولية.
وعندما تبدي إحدى هذه الدول خروجا واضحا عن الدور الوظيفي المحدد لها، تُستخدم وسائل الضغطالمختلفة لإعادة ضبط التوازنات الداخلية، سواء عبر إعادة تشكيل النخب الحاكمة، أو التأثير في مراكزالقرار، أو فرض مسارات سياسية واقتصادية بديلة.
وفي هذا السياق، نادرا ما يكون تعديل الحدود الدولية خيارا مطروحا، نظرا لما يمثله من تهديد مباشرللاستقرار الدولي ومبدأ احترام سلامة الأراضي المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.
وبدلا من ذلك، يجري التركيز على تغيير موازين القوى داخل الدولة ذاتها، بما يؤدي عمليا إلى تصحيحمسارها السياسي دون المساس بشكلها القانوني الخارجي.
أما مبدأ السيادة، فرغم كونه أحد أعمدة القانون الدولي، إلا أنه يمارس في الواقع ضمن قيود موضوعيةتفرضها علاقات الاعتماد الاقتصادي، والالتزامات التعاقدية الدولية، وشبكة المصالح العابرة للحدود.
ومن ثم ، فإن السيادة في دول المنطقة غالبا ما تكون سيادة إجرائية أو مقيدة، لا تصل إلى مستوىالاستقلال الكامل الذي تتطلع إليه المجتمعات أو تروج له الخطابات السياسية.
ومع ذلك، لا يغلق النظام الدولي الباب كليا أمام تطور أدوار الدول.
فكلما نجحت دولة ما في بناء مؤسسات فاعلة، وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، وتعزيز شرعيتهاالداخلية، وامتلاك أدوات قوة ناعمة وخشنة ضمن الحدود المشروعة، تمكنت من توسيع هامش حركتهاالقانونية والسياسية، والتفاوض على موقع أكثر تقدما داخل النظام الدولي، دون أن تصنف كقوة متمردةعليه.
وفي الإطار العام الذي يحكم دول الشرق الأوسط، قد تختار بعض الدول انتهاج خطاب سيادي حاد أوتبني سياسات تصادمية مع النظام الدولي والوظائف غير المعلنة المفروضة عليها.
وقد يقابل هذا التوجه في مراحله الأولى بنوع من التسامح أو الاحتواء الدبلوماسي، إلا أن القوى الكبرىسرعان ما تعيد تفعيل أدوات الضبط والتوجيه، وتستعيد زمام البوصلة الاستراتيجية، بما يضمن إعادةإدماج الدولة ضمن المسار الوظيفي الذي يخدم استقرار النظام الدولي ومصالح أطرافه المهيمنة.
