التطرف في العقل العراقي علاء الخطيب

علاء الخطيب

يكشف التطرف السلوكي عن وجود ازمة في العقل ، تنعكس في  المبالغة في الافعال، بعيداً عن الحساباتالعقلانية المتزنة.

فالتطرف  عقلية غير سويَّة و تفكير غير منضبط يعتقد اصحابه بانهم الوحيدون الذين يمتلكون الحقيقةوالصواب وما عداهم باطل وخاطئ.

و حينما  يطلق مصطلح التطرف ينصرف ذهن البعض الى التطرف الديني  لانه الاكثر شيوعاً ، بينما هناكاوجه مختلفة للتطرف .

وقد حمل العقل العراقي ونتيجة عوامل ذاتية وموضوعية وموروثات اجتماعية ودينية ، انواع  عديدة منالتطرف ، حتى أضحى ظاهرة اجتماعية نشاهدها بوضوح في مجتمعنا ، ففي اي حدث ما ستواجهك افعالمتطرفة تدعو للعجب .

  فهناك تطرف في العنف تطرف في الحب تطرف في الكراهية تطرف في العداوة ، تطرف في الكرم ، تطرف  في التكريم تطرف في الاخلاق ، تطرف في الدين ، تطرف في  القومية، تطرف في المذهبية ، تطرف فيالوطنية وتطرف في اللا وطنية  والقائمة تطول .

و اينما تولي وجهك فثم  نوع من التطرف .

فنحن متطرفون في الحب الى حد الجنون ، كما يقول النواب رحمه الله

عراقيٌ هواي وميزةٌ فينا الهوى خبلومثلنا الشعبي يقولحب واحچيوإكره وإحچي

فعين الرضا عن كل عيب كليلة ،  ولكن عين السخط تبدي المساويا.

متطرفون في العنف ، فتتبدل كلمات الغزل في القصيدة الغنائية الى كلمات العنف  والانتقام ، ففي اغنيةشعبية  تسمع   انا ابن عماره شايل غدارة ، شايل روسية وامي الحجيةوفي اغنية خالي.. ها  .. ها  يقول

اني ابن اختك وانخاني ،

كبلك طايح تلكاني

من صغري الشر رباني

ويستمر شاعر الاغنية العنيفة في الاغيال بالعنف   المتطرف فيقول :

  يمك لو دكت غاره

اني افزعلك طيارة

عالشر ندور دواره

ويصل الشاعر الى الذروة في التطرف فيقول :

سيف بجفك تلكانه

العايل نكطع ذرعانه

واليحجي نگص لسانه

ومتطرفون في الكراهية ، فتتقلص مساحات التسامح  لدينا الى حد استخدام الاسلحة الثقيلة في قضايا لاتستحق استخدام سكينة ، فمن يشاهد مظاهر الطيبة والكرم في البصرة لا يمكن ان يتصور ان هناك عشائرلا تسامح بعضها بعضاً وتستخدم كل ما لديها من قوة للانتقام من الاخر ،

ومتطرفون في العفو الى حد اسقاط الحق عن الجاني ، متطرفون  في  الكرم ، الى حد الاسراف والتبذيرواحياناً الى اللامعقول .

فما شاهدناه في خليجي 25، وكذلك في اربعينة الامام. الحسين  عليه السلام ، فاق حد الكرم  الحاتمي،ورحنا نتمثل في بيت حاتم الطائي الشهير

إذا ما صنعت الزاد فالتمسي

له اكيلاً فاني لست آكله وحدي

وَإِنّي لَعَبدُ الضَيفِ ما دامَ ثاوِياً

وَما فيَّ إِلّا تِلكَ مِن شيمَةِ العَبدِ

ومتطرفون في الطيبة ، فبضع كلمات من المديح قادرة على ان تمنح الاخر كلما يتمناه ، ولعل المثل العراقي هومصداق لما نقولشيِّم المعيدي وأُخذ عباته

وبيت شعر  او قصيدة لحاكم  او مسؤول كفيلة في ان تغدق عليك مالا تحتسب  من العطايا .

فالعراقي انسان طيب ودود غيور ، يقدم لك المساعدة دون مقابل !!!! .

ومتطرفون في التكريم الى حد المبالغة والتفريط .

فمازال تكريم المنتخب الوطني العراقي الذي فاز ببطولة كأس الخليج مثار جدل بين العراقيين ، اذ بالغالمسؤولون وبعض المتنفذين من تجار ومصارف في تقديم الهدايا، وبالتأكيد ان هؤلاء الشبان يستحقون كلالشكر والتقدير والتكريم ، لكن ليس بهذا الشكل المتطرف ، الذي نزع  بعض من الفرحة، في بلد فيه طوابير منالفقراء وتنتظر  بعضا من هذا الكرم الحاتمي من المسؤولين  .

متطرفون في الوطنية ، ونردد دوماً  قول قتادة ابن ادريسبلادي وان جارت عليَّ عزيزة

قومي وان ضنوا علي كرام

فقد اشعل مصطلح الخليج العربي لهيب الوطنية وارتفعت مناسيبها  ودخلنا في خصومات بينية ومعاركاعلامية ، بينما شعوب العالم لا تعير اهمية لمثل هذه الاثارات، التي لا تسمن ولا تغني من جوع .

ومن جانب  ثاني  متطرفون في اللاوطنية  ، فثمة من يقول بشكل علني ودون مواربة بانه سيقاتل بلده اذاوقعت الحرب مع بلد مجاور ، او انه يدين بالولاء لبلد اخر ، ولا يخجل ان يكون ذيلاً .

متطرفون في الحزن حد الثمالة، نبالغ في احزاننا ، نزور المقابر في الاعياد ، تبذخ في المآتم حد التبذير. والاسراف ، وتنتهي كلمات اغانينا بـمعلم على الصدعات گلبيوتبتدأ بـآ ياويلي ” .

لكن المفارقة الكبيرة في هذا السلوك الاجتماعي انه غير متجذر  وليس لديه ثوابت ، بل يتغير حسب الظروف ،يتأثر بعوامل خارجية ويقوده العقل الجمعي وتسيطر عليه دوامة الاعلام .

فمره  يحب و اخرى يكره نفس الاشياء ويقبل ويرفض نفس الحالات ، ويحترم وينبذ نفس الاشخاص،اندفاعات غير مدروسة  رأيناها في كثير من الظواهر التي مرت بنا .


مشاركة المقال :