مشتاق الربيعي
ليست الخصومة دليل قوّة، كما يظنّ بعضهم، بل هي امتحانٌ حقيقيّ للأخلاق. فعند الفراق، وحين تتشعّب الخلافات وتتباين المواقف، تظهر معادن الناس على حقيقتها. فإمّا أن يرتقي الإنسان بخُلقه، أو يهبط بهواه، فيكشف ما كان يجب أن يُصان، ويطلق اتهاماتٍ لا تستند إلى حقّ ولا إلى ضمير.
كثيرون يخلطون بين الدفاع عن الذات وبين التشويه، وبين التعبير عن الألم وبين الانتقام. فيحسبون أن تعرية الآخر، وكشف أسراره، والطعن في سمعته، هو نوعٌ من الانتصار، بينما هو في الحقيقة إعلان فاضح عن الإفلاس الأخلاقي، قبل أن يكون موقفًا أو ردّة فعل.
فالخلاف مهما اشتدّ لا يُسقِط القيم، ولا يُعطّل المبادئ.
ومن الخطأ الجسيم أن تتحوّل لحظات الودّ القديمة إلى ذخيرة للخصومة، أو أن تُستَخدم الثقة التي مُنِحت يومًا كسلاحٍ عند الانفصال. فالإنسان الشريف لا يتاجر بالذكريات، ولا يبتزّ الماضي.
إن للخصومة آدابًا، كما للسلام آداب.
وفي مقدّمة هذه الآداب: حفظ السر، وصون الكرامة، والابتعاد عن التجريح والكذب والافتراء. فالأخلاق لا تُقاس عند الرضا، بل عند الغضب، ولا تظهر حقيقتها في الوئام، بل في لحظات القطيعة.
وقمّة النُبل أن يرحل الإنسان وهو يحمل صمته وقيمه معه، لا فضائح غيره.
فالفرسان لا يطعنون من الخلف، ولا يلوّثون الطرقات التي ساروا فيها يومًا بمحبة. هم يدركون أن الخسارة الحقيقية ليست فراق الأشخاص، بل فراق المبادئ.
ومن يحفظ الودّ في زمن الخصومة،
ويصون الكلمة في لحظة الغضب،
ويغادر الخلاف دون أن يترك وراءه حطامًا أخلاقيًا،
ذاك هو المنتصر حقًّا،
وذاك هو من تُحسب له المواقف،
وتُخلَّد له القيم
