من يحكم بالظل … لا يغادر اصابع الزمار/ جعفر محي الدين

جعفر محيي الدين _النجف

ان حادثة انفجار مسجد الإمام علي عليه السلام في حمص بسورية  ما كان حادثاً أمنياً عابراً، ولا فعلاًمعزولاً عن سياقه الزمني والسياسي. انما نحن أمام جريمة استهدفت مكانا للعبادة، وسفكت فيه  دماءمصلّين عُزّل، وفتحت جرحاً عميقاً يراد  منه  فتنة في لحظة شديدة الحساسية.

كما ان الأخطر من التفجير نفسه هو ما يحمله من رسائل، وما يفتحه من أسئلة أكبر من عدد الشهداءوالجرحى.

فأن تبنّي التفجير من جهة تُسمّي نفسها (أنصار أهل السنة) لا يمكن قراءته كحدث عفوي ، انما فعلسياسي مغلّف بخطاب طائفي. يجب الانتباه  اليه  من  كل الاطراف ، فالدين هنا ما كان دافعاً بقدر ما كانأداة.

وان استهداف الشيعة في مسجدهم، وفي مدينة لها ثقل رمزي، يعني أن الرسالة موجّهة إلى الداخلوالخارج معاً محتواها إشعال الفتنة .. نعم  الفتنة ليعزفوا نغم  الطائفية ، وضرب أي إمكانية لاستقرارسياسي هش.

أحد أهم الأسئلة المطروحة هل المقصود من التفجير إلاطاحة بأحمد الشرع أو إضعاف سلطته؟

هذا الاحتمال قائم نعم وبقوة. فكل سلطة انتقالية، خصوصاً تلك الخارجة من رحم التنظيماتالمسلحة، تُصبح هدفاً طبيعياً لأجنحة أكثر تطرّفاً، ترى في (الدولة) خيانة، وفي ضبط السلاح نهايةلمشروعها. فالتفجير هنا قد يكون رسالة مفادها لسنا تحت سلطتك، وما زال الدم والسلاح بأيدينا، أمكان استثمار سلطته لضرب الشيعة؟ وهذا لايرغب فيه  الاطراف المعتدلة والتي تتمنى ان تعيش بامن  وسلام .

اما الاحتمال الآخر لا يقل خطورة أن تكون الجريمة نتيجة تساهل، أو توظيف غير مباشر، أو عجز متعمّدعن ضبط خطاب الكراهية، ما يفتح المجال أمام جماعات ترى في صعود الشرع فرصة تاريخية لتصفيةحسابات طائفية قديمة. في هذه القراءة، يصبح الشيعة هم الحلقة الأضعف، ويُستخدمون وقوداً لإثبات(نقاء) جهة مزيفة  ، لا تمتّ للإسلام بأخلاقه ولا لتاريخه بصلة.

أم معارضة مُصنَّعة لتثبيت الحكم؟

وهنا نصل إلى التحليل الأكثر تعقيداً ، هل يمكن أن تكون هذه التفجيرات جزءاً من صناعة مشهد سياسييقول ، ها أنا رئيس دولة، ولي معارضون، وأحارب الإرهاب؟

التاريخ القريب في المنطقة يُظهر أن بعض السلطات استخدمت (العدو الداخلي) لتبرير القبضة الأمنية،وتثبيت الشرعية، واستدرار الاعتراف الدولي. السؤال الخطير،  هل ان الشرع تجاوز مرحلة (الأمير) إلى(الحاكم) أم أن أدوات الأمس ما زالت تعمل وإن تغيّر الموقع؟

من يتأمل سلوك الجولاني منذ 2004، يدرك أن الرجل لم يولد سياسياً،  انما تشكّل في بيئة العملالسري، التنظيمي، والدموي. آنذاك، كانت التفجيرات وسيلة، والفوضى غاية مرحلية. اليوم، تغيّر العنوان،لكن هل تغيّرت الأدوات؟

هنا يبرز المثل الشعبي بدقته القاسية { الـزمـار يـموت وتـبقى اصـابيعه تـلعـب }.

الزمّار اليوم حاكم دولة، لكن السؤال الجوهري هل توقّفت الأصابع عن العزف  هنا نتساءل ؟

كما ان نقرأ الاعتداء بمنضور ديني لا مذهبي، ولا سلطة، ولا قضية تبرر قتل مصلّين في بيت من بيوت الله . لان الاعتداء على المسجد اليوم ليس حدث جديد ولا طارئ، هو امتداد لمنطق قديم بدأ يوم ضُربتالكعبة في زمن يزيد. ذاك الفعل ما كان خطأ عسكريا ولا زلة  في زمن الحرب، كان قرار سلطة أرادت تثبتحكمها ولو على حساب أقدس رمز ديني. ومن ذاك اليوم ان فتح بابا خطيرا.

إذا كانت الكعبة تُضرب من أجل السلطة، فكل مسجد بعدها يصبح مباحاً.

وتفجير مسجد الإمام علي (ع) اليوم يعمل بنفس العقلية ،فالمكان المقدس لم يعد خطاً أحمرا، انما أداةضغط ورسالة سياسية. ومع تكرار الجريمة، تتحول من فاجعة إلى (أمر عادي) ومن استثناء إلى (سُنّة) قذرة تُمارَس باسم الدين، بينما حقيقتها سلطة وخوف وحكم.

عندما استُبيحت الكعبة سقطت هيبة المقدس، واليوم حين يُفجَّر المسجد يُراد لنا أن نعتاد السقوط.

وهنا الكارثةليست بالتفجير نفسه، انما بتطبيعه.

فإذا كان أحمد الشرع يريد فعلاً الانتقال من منطق الجماعة إلى منطق الدولة، فإن دماء حمص تمثلاختباراً حقيقياً ، إما دولة قانون تحاسب القاتل مهما كان عنوانه،أو سلطة تُدار بعقلية (نضرب ونستنكر).

وهنا نختصر الحكاية ان تفجير مسجد الإمام علي (ع) ليس مجرد جريمة طائفية قد يحسبها  من فعلفعلتها ونفذ اداوتها ، انما مرآة لمرحلة كاملة صراع بين الدولة واللادولة، بين السياسة والسلاح، بينالإسلام كقيمة والإسلام كشعار.

إما أن تكون هذه الحادثة بداية انكشاف عميق،أو مقدّمة لمرحلة أكثر ظلاماً، حيث يبقى الزمّار حاكماً،لكن الأصابعلا تزال تلعب.


مشاركة المقال :