العالم لا يجامل / شروق العبيدي

شروق العبيدي

أرقام دولية تفضح إخفاق العراق في حقوق المرأة

لا يحتاج واقع المرأة في العراق إلى خطابات عاطفية كي يُفهم.. فالأرقام وحدها كافية لكشف حجم الإخفاق. في عالم تقاس فيه الدول بمؤشرات واضحة، يقف العراق في موقع لا يمنحه أي مساحة للفخر. ففي تقييم “أفضل الدول للنساء” لعام 2025، جاء العراق في المرتبة 123 من أصل 156 دولة، متأخراً عن الغالبية الساحقة من دول العالم، وحتى عن دول عربية أقل استقراراً اقتصادياً وسياسياً.
هذه المرتبة لا تضع العراق في القاع المطلق، لكنها تضعه قريباً منه وبوضوح. فعلى مؤشر فرص النساء في العمل وقوانين المساواة الاقتصادية، لم يتجاوز العراق 48 نقطة من أصل 100 في تقييم “المرأة والعمل والقوانين”. الفجوة هنا ليست طفيفة ولا عابرة، بل تعكس خللاً بنيوياً في التشريعات والسياسات، لا يمكن تبريره بخطاب المؤامرة أو الاستهداف الخارجي، بل بإخفاقات داخلية متراكمة.
الجانب الأكثر قتامة يظهر في ملف الأمان الشخصي. أكثر من 30% من النساء العراقيات يتعرضن لشكل من أشكال العنف الأسري خلال حياتهن، في ظل حماية قانونية ضعيفة ومجزأة. قانون العنف الأسري لا يزال عالقاً بين التجاذبات السياسية، فيما تترك آلاف الحالات سنوياً بلا مساءلة حقيقية. هذه ليست فجوة تشريعية فقط، بل فشل أخلاقي تتحمله الدولة ومؤسساتها.
اقتصادياً، لا تبدو الصورة أفضل. مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل لا تتجاوز 13–15%، وهي من أدنى النسب إقليمياً وعالمياً. هذا الرقم لا يعكس كسلاً أو عزوفاً، بل بيئة طاردة: بطالة مزمنة، تمييز في التوظيف، غياب الحضانات، وانعدام سياسات تمكين فعلية. وفي الوقت الذي تثبت فيه المؤشرات أن رفع مشاركة النساء ينعكس نمواً واستقراراً، يواصل العراق السير بعكس الاتجاه.
في التعليم، ورغم تحسّن نسب التحاق الفتيات بالمرحلة الابتدائية، يبقى التسرب في المرحلتين الثانوية والجامعية مرتفعا، خصوصاً في المناطق الفقيرة والريفية. الزواج المبكر، الفقر، وانعدام الأمان عوامل تدفع آلاف الفتيات سنوياً خارج مقاعد الدراسة، لتتحول الطموحات إلى أرقام مفقودة في الجداول الدولية.
سياسياً، تضمن الكوتا وجود النساء في البرلمان، لكن المؤشرات لا تقيس العدد فقط، بل حجم التأثير الفعلي. نسبة النساء في مواقع القرار التنفيذي لا تزال هامشية، وغالباً بلا صلاحيات حقيقية. تمثيل شكلي لا يغير السياسات ولا يوفر حماية، لذلك لا يحتسب كنقطة قوة في أي تصنيف دولي جاد.
العالم لا يجامل العراق في تقاريره، لأنه ببساطة يقيس الواقع كما هو: قوانين ناقصة، حماية ضعيفة، مشاركة محدودة، وأمان هش. هذه الأرقام ليست إهانة، بل إنذار علني. تجاهلها لا يحسّن الترتيب، بل يكرس الإخفاق، ويترك نصف المجتمع يدفع الثمن.


مشاركة المقال :