حـــارث… الذي عاد من صورة

جلال علوان

كان ذلك يوماً عادياً من أيام بغداد… أو هكذا بدا في ظاهره. شمسٌ قاسية تتدلّى فوق المدينة كعدسةٍ عملاقة تُركّز حرارتها على البيوت والشوارع، حتى الهواء نفسه لاهث من شدّتها. كنتُ عائداً من أكاديمية الفنون الجميلة.

ولمّا اقتربت من البيت، لمحتُ سيارة صديقي محمد زناد تقف أمام الباب. فقد اعتاد زياراته الخفيفة التي تشبه استراحات تروح عن النفس تعب النهار، وكنتُ أعرف أنه لا يطرق الباب. فالمفتاح، كما جرت عادة أبي(أبو جمال) كان دائماً معلّقاً في قفل الباب من الخارج، كأن البيت يقتبس طمأنينته من ذلك المنام القديم:

رجلٌ برداءٍ أبيض يظهر لأبي ويقول له: “اترك المفتاح… فدارك مأمونة.”

فتحت باب الحديقة، ودخلت المنزل . كان في المطبخ صوتٌ يجعلني أدرك أن محمد ليس وحده. ناديت:

– محمد؟

فجاءني صوته فوراً:

هلو جلال، شلونك؟

سألته من معك، فأجاب:

جبت مصلّح للثلاجة العاطلة.

اتجهت نحو المطبخ لألقي التحية. كان الرجل يجلس وظهره نحوي. قلت:

– مساء الخير…

فالتفت ببطء، وردّ:

– أهلاً وسهلاً بك أخي.

توقّفتُ لثانية. في عينيه الفاتحتين، في لحيته الخفيفة، في ملامحه التي عبرت أمامي كالبرق… انفتح بابٌ مغلق في الذاكرة. خرج الاسم من فمي تلقائياً، قبل أن أفهم أنا نفسي ما حدث:

– حــــارث؟!!

نهض من مكانه وحدّق بي بدهشة حقيقية. قال:

– نعم… أنا حارث. بس… تعرفني؟

ابتسمت تلك الابتسامة التي تأتي حين يقف الماضي أمامك فجأة، حيّاً… بكامل ملامحه. قلتُ بثقة الطفل الذي لم يغادرني يوماً:

– أعرفك؟ طبعاً إحنا كنا أصدقاء.

كان الذهول يتبادله هو ومحمد، كأنهما يشاهدان مشهداً لم يكن مكتوباً في جدول اليوم.

سألني حارث مجدداً، محاولاً التقاط الخيط:

– بس… وين تعرفني؟

قلت مبتسماً، واثقاً من أن ذاكرتي أمسكت به:

احزر… حاول تتذكر.

راح يفتش في ذاكرته، يسأل:

– هل درستَ بالتكنولوجية؟

– هل تسكن بمنطقة معينة؟

– يمكن التقينا…؟

وكل إجاباتي كانت: لا… لا… لا.

ثم قلت له:

سأساعدك تتذكّر.

دخلت إلى غرفة نومي، أخرجتُ الألبوم القديم، ذلك الذي يختزن وجوهاً لم تعد في الدنيا ووجوهاً غابت عنها الدنيا. فتحت إحدى الصفحات، وأخذت الصورة التي أعرف مكانها منذ طفولتي. وقدّمتها له.

أمسك بها، ونظر طويلاً…

ثم انفرج صوته بصدمة حقيقية:

– هذا… هذا أنا! وهذه أختي!

قاطعته وأنا أشير إلى الطفل الواقف على اليمين:

– وهذا أنا.

رفع رأسه نحوي، والدهشة تتسع مثل باب قديم فُتح بعد سنين طويلة.

قال:

– يا الله… روضة العلوية! كنا بحدود الخمس سنوات…

وكأن الصورة استعادت الهواء الذي كان حولنا في ذلك الزمن. تبادلنا الأسئلة عن أحوال بعضنا، عن السنوات التي ذهبت، عن الطرق التي ابتلعت كل واحدٍ منا.

ثم أصبحتُ صامتاً للحظة… كان هناك ظلّ طويل يمتدّ خلف تلك الذكرى.

فذلك اليوم الذي اجتمعنا فيه أطفالاً… كان آخر عهدٍ لي به.

فمن بعده جرت أحداث مروّعة مزّقت الكثير من خيوط حياتنا، وابتلعت وجوهاً قبل أن تكبر.

وقفتُ هناك في مطبخ بيتٍ صغير في بغداد، أمام رجلٍ كان صديقاً لي قبل أكثر من 22 عاماً ولم أعرفه يوم عاد… لكنه عاد بصورةٍ قديمة كانت وحدها تحفظ اسمه.

 


مشاركة المقال :