فاطمة الراوي / بغداد
يُعدّ الابتزاز الإلكتروني أحد أخطر التهديدات الرقمية التي تواجه المجتمعات اليوم، لما يحمله من قدرة على تدمير الأفراد نفسيّاً واجتماعيّاً خلال وقتٍ قصير. ومع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) إلى هذا المجال، لم تعد الجريمة محصورة في اختراق الحسابات أو تسريب الصور والمحادثات، بل تحوّلت إلى منظومة تضليل متقدمة قادرة على تصنيع أدلة مزيفة تبدو حقيقية إلى حدّ يصعب معه التفريق بين الواقع والاختلاق، الأمر الذي ضاعف من خطورتها ووسّع دائرة ضحاياها.
وهنالك عدة أنواع للابتزاز الإلكتروني المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وهي:
1. الابتزاز الجنسي:
تركيب صور وفيديوهات باستخدام التزييف العميق (Deepfake)، وهي خاصية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتركيب وجه الضحية على مقاطع فيديو أو صور غير أخلاقية بدقة عالية جداً.
2. انتحال الشخصية:
تقليد صوت أو فيديو لمسؤول أو أحد أفراد الأسرة باستخدام مقلدات الأصوات (Voice Imitator)، أو تقليد نبرة صوت الضحية أو أحد أقاربه لإجراء مكالمات احتيالية وطلب مبالغ مالية أو معلومات حساسة، إضافة إلى استخدام نماذج لغوية متطورة (مثل ChatGPT بنسخ غير قانونية) لكتابة رسائل إغراء أو تهديد مقنعة جداً وبأكثر من لغة لاصطياد الضحايا.
3. التشهير الرقمي:
نشر أخبار كاذبة مدعومة بأدلة بصرية مصطنعة بهدف الإساءة للسمعة والضغط النفسي.
وهنا يبرز سؤال مهم جداً: لماذا يُعدّ هذا النوع من الابتزاز خطيراً إلى هذا الحد؟
لعدة أسباب، من أهمها:
• صعوبة الإثبات: إذ تبدو الأدلة المزيفة حقيقية لدرجة تضع الضحية في موقف الدفاع المستمر عن النفس.
• السرعة والانتشار: يمكن للذكاء الاصطناعي إنتاج آلاف الصور والمقاطع خلال دقائق ونشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
• انخفاض التكلفة: أصبحت أدوات التزييف العميق متاحة وسهلة الاستخدام، ولا تتطلب مهارات تقنية عالية.
وهنا يأتي مطلب مهم يتعلق بخطوات الوقاية والحماية.
في جلسة نقاشية مع القاضي المحترم سعد الجبوري
ناقشتُ معه هذه الآفة التي تزعزع استقرار المجتمع، حيث أكد أن الوعي الرقمي أمر بالغ الأهمية، مشدداً على أن «ليس كل ما نراه أو نسمعه حقيقياً». واسترسل في حديثه موضحاً أن جريمة الابتزاز الإلكتروني هي عملية تهديد وترهيب للضحية بنشر صور له أو لأفراد عائلته أو تسريب معلومات سرية تخصه، مقابل دفع مبالغ مالية أو استغلال الضحية للقيام بأعمال غير مشروعة لصالح المبتزين أو غيرهم.
وبيّن أن قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل عالج جريمة الابتزاز المالي في المادة (452)، مشيراً إلى أن هذه الجريمة أصبحت في مقدمة الجرائم التي يعاني منها المجتمع، ما يستدعي من المشرّع العراقي إعادة صياغة بعض القوانين العقابية، ومنها جريمة الابتزاز، بما يتلاءم مع تطورات العصر.
وتطرق القاضي إلى أهم أسباب انتشار جريمة الابتزاز، ومنها:
1. الثقة المفرطة في الأشخاص الغرباء.
2. قلة الوعي الرقمي.
3. ضعف الوازع الديني.
4. غياب الرقابة الأسرية والتفكك الأسري.
وفي ختام النقاش، أجاب عن سؤال: كيف يمكن التخلص من شخص يهدد بالصور؟
1. التماسك التام وعدم الخوف.
2. الإغلاق المؤقت لجميع الحسابات الشخصية.
3. إعادة ضبط إعدادات الخصوصية للأجهزة التقنية.
تنبيه أمني مهم
تشير الوقائع إلى أن نسبة كبيرة من حالات الابتزاز الإلكتروني تبدأ من رقم هاتف مكشوف أو بريد إلكتروني مرتبط بعدة حسابات ومنصات، ما يسهّل على المبتز تتبع الضحية وبناء صورة رقمية كاملة عنها. لذلك يُنصح بفصل البريد الإلكتروني الشخصي عن حسابات التواصل الاجتماعي، واستخدام رقم ثانوي أو افتراضي عند التسجيل في المنصات المختلفة.
تنبيه تقني مهم
يقع بعض الضحايا في خطأ حذف الرسائل أو المحادثات فور التعرض للتهديد، وهو تصرف يضعف موقفهم القانوني، لأن هذه الرسائل تحتوي على بصمات رقمية مهمة مثل توقيت الإرسال ومصدره، تعتمد عليها الجهات المختصة في تعقب الجناة، لذا يجب توثيق الأدلة قبل حذفها.
الذكاء الاصطناعي وفجوة التشريع
مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، بات الابتزاز يعتمد على أدوات تخلق فاعلاً رقمياً مجهول الهوية أو عابراً للحدود، في حين لا تزال معظم القوانين تتعامل مع الجريمة بصيغها التقليدية، ما يفرض ضرورة تحديث التشريعات للتعامل مع الأدلة المصطنعة رقمياً والجرائم المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
ماذا تفعل إذا تعرضت للابتزاز؟
• لا تتواصل مع المبتز: الاستجابة لمطالبه تشجعه على طلب المزيد، ولا تضمن حذف المحتوى.
• وثّق كل شيء: قم بأخذ لقطات شاشة (Screenshots) للرسائل والتهديدات.
• أبلغ الجهات الرسمية: توجّه فوراً إلى وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية – إن وُجدت في بلدك – فهي تمتلك الأدوات التقنية اللازمة لتعقب الجناة وحجب المحتوى.
