حارث أحمد جابر
على مدى عقود طويلة اعتادت كرة القدم العراقية أن تنجب جيلا واحدا في كل عقد يترك بصمته الواضحة في مسيرة الكرة العراقية هذا رأيي وهو رأي يستند إلى مسار تاريخي سأوجزه مسار يكاد يكون قاعدة ثابتة جيل يصنع منجزا كبيرا يمنح الجمهور أملا في مستقبل أجمل ثم يتراجع المنحنى وتبدأ رحلة انتظار جيل جديد من منتخب 1966 الذي حقق الميدالية الذهبية لكرة القدم في دورة الألعاب العربية التي استضافها العراق في بغداد إلى منتخب 1976 صاحب الإنجاز القاري إلى جيل 1986 الذي حمل العراق إلى مونديال المكسيك ثم منتخب 1994 الذي كان قاب قوسين من بلوغ كأس العالم وصولا إلى منتخب 2007 الذي خطف كأس آسيا في واحدة من أصعب مراحل العراق ثم منتخب 2014 الذي بلغ نصف نهائي بطولة أمم آسيا بقيادة الوطني راضي شنيشل هذا النسق لم يكن صدفة بل كان جزءا من هوية الكرة العراقية
لكن هذه القاعدة توقفت فجأة بعد عام 2020 دخلت الكرة العراقية مرحلة اضطراب غير مسبوقة فوضى إدارية تضرب الوسط الرياضي الهش وتعاقب مدربين بلا مشروع وصولا إلى التجربة العبثية مع الإسباني خيسوس كاساس التي كشفت حجم التراجع الفني والتنظيمي وللمرة الأولى منذ عقود وجد العراق نفسه بلا جيل واضح الملامح وبمنتخبات غير مستقرة وبلا فريق قادر على حمل إرث الأجيال السابقة أو صناعة منجز يليق بتاريخ اللعبة
وإلى جانب هذا التراجع البنيوي تسلل إلى الوسط الرياضي خلال السنوات الخمس الأخيرة عدد من الطارئين وأنصاف المتعلمين ممن حملوا الحقائب واخترقوا هذا الوسط في غفلة من الزمن فعبثوا بمقدرات الكرة العراقية دون رقيب أو حسيب فالرياضة بخلاف الطب حيث لا أحد يستطيع إجراء عملية جراحية ما لم يكن طبيبا لكن أي شخص يمكنه أن يصبح محللا أو مستشارا أو مدربا أو خبيرا رياضيا بلا مقدمات من خلال العلاقات وحتى النفوذ السياسي وهكذا تحولت الرياضة إلى مهنة من لا مهنة له وصار كل من هب ودب يتصدر المشهد في غياب الضوابط التي تحفظ قيمة العمل الرياضي وكما يقول المثل العراقي مو كلمن صخم وجه كال آني حداد لذلك بات من الضروري وضع منظومة صارمة لاختيار العاملين في الوسط الرياضي لضمان أن يقوده أصحاب الكفاءة لا الطارئون ومتى ما وصل الشخص المناسب إلى المكان المناسب عندها فقط نستطيع أن نقول إن كرة القدم العراقية أصبحت على الطريق الصحيح
إن أحد أبرز الأسباب التي تجعل الكرة العراقية عاجزة عن إنتاج أجيال متعاقبة هو الإهمال المزمن لملف الفئات السنية فالتدرج السليم للاعبين والاعتماد على مواليد حقيقية وبناء دوري قوي للفئات هي الأسس التي تكسر قاعدة جيل واحد كل عقد ومن دون هذه البنية التحتية يبقى ظهور المنتخبات الكبيرة مجرد صدفة تتكرر كل عشر سنوات لا نتيجة مشروع كبير قادر على صناعة جيل بعد آخر
ولذلك أقول بوضوح إذا أردنا رياضة حقيقية فعلينا أولا تنظيف الوسط الرياضي من الدخلاء والمتسلقين والانتهازيين وإعادة المناصب إلى الأكاديميين والخبراء وأصحاب الشهادات الحقيقية كما يجب على الدولة العراقية أن تعمل بمبدأ الثواب والعقاب لا أن تنفق الأموال بلا تدقيق أو متابعة ولا أن تكافئ الإنجاز الآني على حساب مشروع الوطن
لا نريد جيل كل عقد نريد جيلا يخلف جيلا
ولنا عودة
