…
القاص والكاتب / عبد الجبار الحمدي
لم أكن أعلم أن الشقة التي قبالة شقتنا قد سكنها أحدهم؟ غير أني في ذات مساء حين خرجت الىالشرفة كي أريح هاجس وحدتي حينيسألني عن حياتي كثيرا، رأيت أن أخرج معه لنتسامر على ذلكالكرسي الخشبي الهزار الذي تركه لي والدي بعد وفاته ولم يتسنى له استخدامه، جلست وهاجسي يهزنفسه معي متسائلا!؟ ماذا يدور في قلبك يا نائلة؟ إستغربت سؤاله وهو يعلم جيدا أنه خال من أي صورلفارس أحلامي، لقد بلغت الأربعين من عمري الذي قطبت من خلاله جراح من كنت اعتني به منذ اكثرمن ثمان عشرة سنة، نسيت فيها نفسي ومشاعري تماما حتى اختلاطي مع العامة من الناس وجيرانيوزملائي في العمل محسوب بدقة، كنت غير متفرغة للإختلاط معهم لا في المناسبات ولا غيرها فوالديكان مشلولا كليا بعد ان اصابته جلطة دماغية القته من على درج العمارة وهو يصعد للشقة، فشلته نهائياوبات ميت سريريا لكن الله اراد له البقاء حيا وكنت أنا من تعتني به بعد وفاة والدتي فجأة، كنت الابنةالوحيدة لهما فكان لزاما علي ان اعتني به بنفسي رغم أني حاولت جلب احداهن لتعمل على خدمتهوسعيت الى جلب ممرضة لكن لا طاقة لهن عليه فتركت الامر لنفسي فما حك جلدك مثل ظفرك… فنسيت كل طموحاتي ورغباتي، سخرت حياتي الى العناية بوالدي الذي مات منذ أربعةأشهر، في ذلكالمساء حين وضعت امامي فنجان القهوة ورواية مدينة الحظ التي احب قرائتها، وما ان ارتشفت منفنجان قهوتي وقبل ان اتصفح الفصل الذي وصلت إليه سمعت عزف لكمان حزين مس جوانح نفسيفزادها وجعا تغيرت ملامح وجهي، إقعشر بدني، رميت بأذني الى البعيد قبل عيني، فراحت تترصد مصدرالصوت تنصت الى ذلك الكم من النغمات الحزينة التي هيجت مشاعري و أحاسيسي كأني أفتتح ستارأسئلتي التي كان مخبأة في جارور النسيان، و فجأة عرفت المصدر إنه يخرج من تلك الشقة التي قبالةشقتي… استغربت!! فأنا أعلم أنها غير مأهولة منذ زمن… لكن يبدو أنه هناك من وطئها لكأنه يترجم ويتعرف على الجيران بأحاسيسه من خلال عزفه، يا الله إنه كمن يعيد هواجس فتاة في العشرين و رغبتهابكسر قيود إمرأة منسية تعيش الهامش فترة ابدية، حضنت الرواية وتذكرت صوفي بطلة الرواية وهيتنتظر ان يفاجأها أي جي حبيبها الذي لم تكن تتوقعه…. توقف الصوت فجأة فرجعت الى الوراء قليلاعلى كرسي الهزار وقد بردت قهوتي، وإذا بالشرفة تفتح ليخرج مطلا منها رجل اشيب الشعر ملتحي بشكلمرتب أنيق الملبس والمظهر وهو يمسك بكمانه ويرمي ببصره الى البعيد هنا وهناك حتى وقع نظرهعلي، وما ان علم بأني انظر إليه هز لي رأسه بالتحية ومن ثم ادار ظهره ودخل دون أن يغلق شباك شرفتهوراح يكمل العزف وهو يعلم جيدا أني استمع له..
في صباح اليوم التالي سارعت الى الشرفة كي أراه فقد شغفت مشاعري واحاسيسي لرؤيته… إن لهإطلاله رائعة، كفتاة مراهقة كنت قد وضعت بعض من مستحضرات التجميل ثم لبست ثيابا انيقة قبلخروجي الى مكان عملي تمنيت ان احظى برؤيته قبل ان اخرج كي اجعل يومي جميلا كإطلالة محياه… لكن مع الاسف لم يكن الحظ مواتيا، خاب ظني وظن هاجسي الذي شعرت به انه متقد بالحياة و الاملالذي طويت رسالته منذ العناية بوالدي حتى وفاته، لا بأس قال لي ستلتقيه في المساء فلابد انه سيعزفالليلة فهو كما يبدو فنان فلابد لمشاعره وانامله ان تلامس اوتار قلبه والذي اقول ربما.. ربما خاض تجربةفاشلة او خسر حبا بفراق من يحب..
كانت ردة فعلي على حديث هاجسي بزجره لما قاله وتوقعه.. شعرت بالاحراج من تصرفي لكني ما خبأتامتعاضي حين سمعت ما يجيش به، على اية حال خرجت الى عملي وقد لاحظت بعض الزميلات والزملاءتغير ملامح وجهي و تأنقي فدارت فيما بينهم النظرات و الاحاديث الجانبية لكن لم تجرؤ او يجرؤ ايامنهم على سؤالي.. فأكتفوا بالابتسام لي وبنظرات ود وحب، ما ان انتهت ساعات عملي حتى سارعتبمركبتي الى شقتي، و دون ان اتوقف لإلتقاط أنفاسي سارعت الى الشرفة ففتحتها، صدمت؟!! وجدت انشباك شرفته مغلقا… شعرت بخيبة الامل مرة ثانية وهكذا مرت عقارب الساعة تلدغني وهاجسي بينفينة وأخرى حتى دخل المساء كنت قد التقطت الرواية مع فنجان القهوة ثم جلست أنتظر… و أنتظر… وأنتظر غير أني لم أسمع أي عزف و شباك شرفته لم يُفتح لكني رحت أقرأ فصلا من الرواية عن معاناةصوفي وخوفها من المستقبل و ما تأمل ان يحدث لها في حال شيء ما يغير ما تمنته.. بعدها حملتفنجان القهوة الباردة التي لم اتذوقها ودخلت الى سريري بعد أن وضعتها على الطاولة في الصالة وانا فيعالم المائة سؤال واستغرابي من نفسي و ما حملتها على القيام به في عالم من المراهقة الطائش، علىبناء أمل بفارس أحلام لا يعرفني ولا أعرفه كيف سمحت لنفسي وهي تراودني عن أحلام بعيدة وقد نسيتأطياف أمنيات أو رؤى أنثى ترغب بمن يكون سكنا لها وتكون سكن له.. مرت أيام أسبوع كامل لم أسمعأي عزف أو مشاهدة شباك شرفة يفتح.. نسيت نفسي ونسيت ما كنت أحلم به إلى أن جاء ذلك المساءوخرجت كي أفتح شباك شرفتي لتغيير هواء الشقة ثم بعدها أكمل قراءة الرواية الى جانب فنجان القهوةالمُرّة غير معتنية بنفسي ولا شكلي .. تفاجأت!!! كان هناك واقفا يمسك بوردة بيضاء التي ما أن رآني حتىإنحنى لي وهو يمد يده إتجاهكأنه يقدمها لي… سارعت بالدخول مثل طفلة هاربة مما تراه فصرخت يالفظاعتي ترى ماذا سيقول عن شكلي وقد خرجت له بهيئتي تلك، يا لحظِ التعس سارعت الى جانبشرفتي، اختبأت وأنا أتطلع إليه وهو يمسك بالوردة التي تركها أمامها وأمسك كمانه ليعزف ما طاب لي أنأسمعه دون أن ابوح له بما أحب الإنصات إليه، إنها موسيقى كوكب الشرق موسيقى أغنية بعيد عنكحياتي عذاب…
لا زلت أتذكر تلك الصباحات والمساءات ونحن نجلس قبالة بعضنا البعض في شرفة واحدة في مكان غيرالمكان وهو يعزف لي ما اود سماعة و أنصت إليه… لقد حظيت بمن أحببت دون سابق إنذار، لقد أباح وأفاض لي بمشاعره، ففي تلك الفترة التي غابها كان يراقبني عن بعد وعرف عني ما شجعه للإرتباط بيفكنت أميرته التي ينتظر وكان فارس احلامي الذي تمنيت.. نهاية جميلة كان للحظ الدور الذي دفع بهالقدر كي يكون تذكرة الأحلام في مدينة الحظ التي نعيش.
