كتب المحرر السياسي للمستقل :
قدِّر للعراق ان يكون ضحية الصراع الاقليمي تارة والصراع الداخلي تارةً اخرى، فمنذ زمن بعيد والعراقيون يعانون من اطماع الدول المحيطة بهم.
على مدى سنين طويلة تصارع العثمانيون والصفويون على ارض العراق، ودارت رحى 22 حرب بينهما كلها كان العراق ساحتها، وكانت الحروب تأخذ أشكال متعددة ، وان كانت الغاية واحدة ، وهي الهيمنة والسيطرة على هذا البلد الضحية ، والأمر المحزن ان اهل البلد في كثير من المرات يساعدون او يساهمون في هذا الصراع دون الالتفات إلى غاياته .
هذه المرة كان الغاز هو الغاية ، فالصراع بين تركيا الاخوانية والإمارات المحاربة للإخوان أدى إلى قصف حقل “كورمور” الغازي في السليمانية ، هذا الحقل الذي تديره شركة “دانا غاز” الاماراتية، وتطمع به تركيا وتريد ان يكون الغاز العراقي تحت سيطرتها ويصدر عن طريقها ، لعدة غايات ، تقول تركيا: انها بحاجة لهذا الغاز ، فهي تستورد الغاز من ايران ، وغاز كور مور اقرب لها وربما هي من تتحكم بسعره ، وكذلك تريد ان تسيطر عليه وتبعد الامارات عنه.
ويصر الرئيس التركي أردوغان على إيصال الغاز من هذا الحقل إلى تركيا، وكانت أنقرة تتطلع إلى غازكوردستان بعد النفط.
الهجوم الذي حدث على خزان الغاز الأكبر في الحقل بواسطة طيارات مسيرة ، قيل انه من الداخل ، حاول البعض ان يحوِّل بوصلة الهجوم إلى الفصائل المسلحة، لكن ما تحدث به الخبراء العسكريون فندوا هذا الاحتمال وانه جاء كما قالوا من منطقة قريبة ، وهنا يكمن السؤال ما هي المنطقة القريبة ، وما هي اسباب الهجوم ؟ ومن له المصلحة بالهجوم؟ علماً ان الهجوم لم يكن الاول بل يحمل رقم 13 , فالاستهداف للحقل تكرر مراراً .
المنطقة القريبة اما ان تكون من داخل الاقليم او منها ج الاقليم ، من داخل الاقليم احتمال بعيد لانه تسبب في انقطاع التيار الكهربائي أوقف الكثير من الأعمال ، خصوصاً وان الاقليم عازم على تطبيق خطة التزويد لـ 24 ساعة ، لكن الوقائع تقول :
ان ملف الغاز أحتل مؤخراً جزءاً رئيساً من الخلافات بين الحزبين الحاكمين في الإقليم، إذ يطمح الحزبالديمقراطي الكوردستاني إلى تصديره إلى أوروبا عبر تركيا، فيما يتحفظ حزب الاتحاد على آلية إدارةوتقاسم الموارد المالية في الإقليم، لا سيما أن زعيم الحزب بافل طالباني وجه العام الماضي انتقاداتلسياسة الحزب الديمقراطي “لغياب الشفافية والعدالة في التوزيع” في إدارة قطاع النفط، وهددبتعطيل مشروع مد أنبوب الغاز إلى الخارج “في حال اتباع الصيغة نفسها“. وأكد لاحقاً أن “الديمقراطيسيكون المتضرر الأكبر في حال أي تعطيل في مشروع الغاز“، لجهة أن معظم الاحتياطي من الغاز يقعضمن نطاق نفوذ حزبه.
وللعلم يوجد في إقليم كوردستان(10) حقول غازية، سبعة حقول منها تقع ضمن مناطق نفوذ الاتحادالوطني الكوردستاني ضمن الحدود الادارية لمحافظة السليمانية وهي حقول( جمجمال، ميران، كورمور،كوردمير، طوبخانة، بلكانة وحقل تازة)،أما الحقول التي تقع ضمن مناطق وسيطرة الحزب الديمقراطيالكوردستاني فهي حقول( بنباوي وخورملة)ضمن الحدود الادارية لمحافظة أربيل وحقل(دهوك) الغازيالذي يقع في محافظة دهوك.
يقدر احتياطي الغاز ضمن نطاق سيطرة ونفوذ الاتحاد الوطني الكوردستاني نحو( 18 ترليون و 300 مليار) قدم مكعب
بينما يقدراحتياطي الغاز ضمن نطاق سيطرة ونفوذ الحزب الديمقراطي الكوردستاني نحو(300 مليار) قدم مكعب.
هذا الخلاف عزاه البعض ربما إلى احتمال تعرض الحقل للهجوم من الداخل ، ولكن كما قلنا هو احتمال ضعيف وغير منطقي .
البعض الاخر وجه الاتهام إلى تركيا ، وذلك على خلفية الصراع بين ابو ظبي وأنقرة .وربما يكون هذا اقرب للواقع . فالصراع السياسي بين الدولتين اخذ منعطفات كثيره سواء في ليبيا او السودان وحتى في الصراع الإماراتي القطري ، او غيرها من المناطق .
وآخرين قالوا ان ايران وأذرعها ربما تكون وراء الهجوم ، وذلك كون التوسعة التي تعمد الحكومة على تنفيذها قد تصل إلى استخراج مليار متر مكعب يوميا من الغاز وهذا سيؤثر على استيراد العراق من الغاز الإيراني .
ولابد لنا ان نتوقف قليلاً عند حقل كورمور ونسلط الضوء على أهميته :
كورمور أكبر حقل غازي في كوردستان ، ويزود الاقليم بنسبة 70% من حاجته لإنتاج الطاقة الكهربائية، ينتج هذا الحقل سنوياً بحدود 5.5 مليار متر مكعب من الغاز الجاف و 390 طن من الغاز المسال ، بالإضافة إلى 5.84 مليون برميل من المكثفات ، وهذا يعني انه حقل ضخم جداً ، وهو اكبر حقل غازي مكتشف في العراق .
الحكومة العراقية لديها مشكلة في هذا الجانب مع الاقليم وهي على وشك تنفيذ مشروع جديد، بإشراف شركة إيرانية تريد نقل الغاز من الحقل إلى كل من منطقتي (بازيان وعربت) الصناعيتين عبر خط الأنابيب،يصل غاز هذا الحقل إلى أفغانستان، لكن تصديره عن طريق خط الأنابيب إلى تركيا يمثل مشكلة بينالحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني،
حقل كورمور هو حقل غاز طبيعي حُرّ، في ناحية قادر كرم في قضاء جمجمال في محافظة السليمانية فيشمال شرق العراق، طول الحقل 33 كيلومتراً، وعرضه 4 كيلومترات، اكتشف سنة 1928 أو سنة 1930،وكان اسمه حقل الأنفال حتى سنة 2003، موقعه في منطقة مرتفعة، وفي سنة 2022 كان احتياطيالحقل 8 ترليونات و200 ملیار قدم مكعب، وإنتاجه اليومي من الغاز الطبيعي 452 مليون متر مكعب،وإنتاجه اليومي من متكثف الغاز 22 ألف برميل، تنقل عن طريق الصهاريج وتخلط مع النفط المصدر الىالخارج. وإنتاجه اليومي من الغاز السائل 1050 طناً. وهو من أكبر حقول الغاز في إقليم كوردستان، يُتزوّدبه لتشغيل الكهرباء، وتوفير حاجة السكان من غاز الطبخ والتدفئة، حتى سنة 1977 لم يكن حقل كورمورمستَثمراً، طول الطريق بين موقع الحقل وقضاء طوزخورماتو 15 كيلومتراً،
وحين استقل إقليم كوردستان عن الحكم المركزي، ظل حقل كورمور تابعاً لحكومة العراق المركزية، حتىسنة 2007 حين استلمته حكومةُ إقليم كوردستان، والحقل ضمن سيطرة الاتحاد الوطني الكوردستاني،وموقع الحقل من المناطق المتنازع عليها بين حكومة إقليم كوردستان العراق وحكومة العراقالاتحادية. ويستثمرُ الحقلَ شركةُ دانة غاز وشركةُ الهلال الإماراتيتان.
بغداد تعتقد ان الحقل هو جزء من شركة نفط الشمال التابعة للحكومة الاتحادية ويجب أن يكون تحتسيطرة هذه الشركة التي مقرها في كركوك.
حكومة الاقليم ترفض إبرام بغداد لأية اتفاقات مع الشركات المستثمرة خارج القنوات الرسمية بينالطرفين، لكن بغداد تصر على ان من حق الحكومة الاتحادية عقد مثل هذه الاتفاقيات . و
كانت شركة خطوط الأنابيب التابعة لوزارة النفط الاتحادية أعلنت عن إنجاز مد أنبوب نقل الغاز من حقولكورمور إلى محطة كهرباء كركوك “بقدرة 100 مقمق في اليوم (مليون قدم مكعب)”. وهذا يعني ان بغداد لها دور في السيطرة على الحقل .
بالرغم من اعتراض وزارة الثروات الطبيعية في حكومة الإقليم على مد الأنبوب، مؤكدة أنها “أبلغتشركة دانة غاز رسمياً في اجتماع عقد مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، رفضها نقل الغاز من حقولالإقليم من دون موافقتها“.
لكن الطموح الكوردي تعثر مع إصدار المحكمة الاتحادية العليا العراقية في (شباط) العام الماضي بعدمدستورية تصدير الإقليم للنفط والغاز بمعزل عن بغداد، ومن ثم فوز الأخيرة بحكم دعوى كانت أقامتهافي محكمة تجارية بباريس ضد تركيا في مارس (آذار) تم بموجبه تعليق صادرات الإقليم النفطية.
الهجوم الذي حصل على حقل كور مور هو نتيجة صراع كبير وليس عملية استفزاز كما صورها البعض ، وعلى بغداد ان تتنبه لهذا الخطر القادم، بالأمس كان الجفاف يحصد ضحاياه من الأراضي والانهار واليوم الغاز ، والفاعل واحد .
