القاص والكاتب / عبد الجبار الحمدي
قصة قصيرة
لم اتعرف على حميد إلا من خلال الخدمة العسكريةالتي التحقت بها في بغداد، كانت الحرب قدضَرست رحيها وأخذت تطحن وهي تحت يد القدرآكلة أعمار الشباب.. فلم يهرب من تحت أتونها حبةحنطة او حبة شعير… حميد شاب من أهوارالناصريه، حقيقة عندما تعرفت عليه جذبتنيلهجته او ما تسمى بالحسجة المتميزة وطيبسريرته وعفويته في الحديث ربما لأني من أهلبغداد وانتمي الى عائلة ثرية استطعمتها، كنت قدتخرجت من كلية الهندسة ولابد لي من الخدمة فهذاواجب لا مفر منه.. عموما ما أن وقعت أذني علىصوته حتى شعرت بإنجذاب لا إرادي له، كان أماميعندما سال عن وحدته قائلا: سيدي أريد أعرف وينمكان الوحدة مالتي.. رفع رأسه العريف وقال: الوحدة مالتك لو مال الخلفك هههههههههه، لميجبه بل انتظر حتى اخبره عن مكانها، كنت ايضامنتسب الى نفس الوحدة فلم أسأل عنها… تقربتمنه لا أعرف ما السبب لكن شعرت أنه قريب إلىنفسي، شاركنا في اكثر من هجوم ومعركة، في كلمرة اجده بطيبته وإيمانه وشجاعته يدفع بنفسةللذود عني ويقول: انت مو مال قتال، اضحك ولم اردعليه.. حتى في تلك الليلة التي شعرت أن حميدينتمي الى عالم آخر.. فاقتربت منه وسألته… ترددفي بداية الأمر لكن وبعد زفير ضج حتى في وجهيمن حسرته التي نفخها فقال: ( خويه أحمد أنا أحبومن زمان بنيه من مراحب أهلنا بالاهوار مناشوفها احس الدنيا كله ماهية بس انا وياها،شطبة ريحان، ومرات احسها عود كصب وسط المايمن يتمايل، ومن تحجي صوته مثل صوت الناياحس بيه حزن بس حزن حلو ما أدري ليش!؟تعرفت عليها قبل ما التحق بشهور، شفته الصبحوهي تريد تخبز.. جَنَّيت يا خوية يا احمد، مدريشنو خلاني اتيه دربي، بيها جنت راكببالشختورة مالتنا من يم جباشتهم وصدت عينيبعينها وهي تذب بشيلتها على جتافاتها بعيد عننار التنور تريد تطرح الخبزة.. شلون اوصفلك الليحسيتها ما ادري؟!! خذت روحي وياها، تخبزوريحة الخبز جرتني يمها.. وكفت الشختورة، نزلتمثل التايه بدنيا غير الدنيا، صبحت عليها انا اعرفاهلها وبيناتنة مضيف وسلام بس مو ثخين، جفلتمن شافتني مثل المهرة وصاحت، شتريد منو انت؟رأسا جاوبتها انا حميد بن سيد عباس جيرانكم.. هناك جباشتنا مو بعيدين عنكم.. ردت بضيجوشتريد من الصبح؟ جاوبته انا جوعان واريدخبزة إذا ما تصير زحمة… ضحكت بعد ما شافتنيمثل التايه بدنياه وما اعرف شنو احجي.. كالتلحظة انتظر.. انتظر العمر كلها كلت إلها بقلبي بس اشوف طولك واشوف وجه الشمس الليشايلته.. اجت وبيدها طاسة حليب وخبزة.. احمديمكن انا تخبلت بذيج اللحظة وانسطرت بعد ماصارت قريبة مني وشميت ريحتها.. احمد يا خويوالله تسودنت من اخذت الطاسة ولحت اصابعها.. شايف الكهرباء من تنتل الواحد حيل هالشكل صاربيه وحتى هي صاحت يما شنو هاي انتلت… منذيج اللحظة صرت مخبل سعدية… أي احمد أسمهاسعدية.. مرت أيام عليّ بس الله يعرف شلون جنتانام… وصل بيه الامر إني كلت لأمي عليها, يما أناأني اريدها مَرَة إليه… صفنت هواي وكالت: يمهحميد هاي البنية بنية عز واهلها أهل خير وأحناناس على كد حالنا وابوها واخوانها ما ينطوهالأي واحد… ما عجبني كلام امي وكلت إلها.. أنا ماأعرف اريدها وخلي ابوي يحجي ويه ابوها… وإلاأنهبها وأهج، انا احب سعدية وسعدية تحبنيوصار إلنا مدة نلتقي سوه، احجي وياها وأسولفبس شاهد الله يمه ما بيني وبينه بس رفيف القلبوحجايات بس الله يدري بيها، فد مرة وحدة جستايدها من رادت اتطيح من صعدت الشختورة… يماالدنيا كلها سعدية وانا ترى راح التحق وما ادريشلون حالي يصير، أتمنى اسمع خبر حلو منكم…
أحمد: في تلك اللحظة حميد تألق عشقا، كنتاستمع له والى عذوبة كلامه وهو ينساب مثلصوت الناي حزين الى حد اني بكيت علىوضعيته، فقررت في داخلي ان اكون له العونوالسند ماديا ومعنويا.. بعدها صرحت له بذلك فقاللي: أحمد خويه أنا راح انزل بعد يومين وبنزلتيراح اخلي ابوي يخطبها إلي ادعيلي يم ابوالجوادين ابو طلبة، أدري انت هم نازل لأهلك بلكتيستجاب دعاك عدهم، وانا هم راح ازوره وهذا اولشيء اسوية من اطلع منا كبل بوجهي لسيديومولاي موسى الكاظم وسيدي محمد الجوادعليهما السلام.. اريد ابجي يم شباجة واطلب منهيسهل امري ويحنن قلب ابوها عليه… ويخليها منقسمتي
ذهب حميد الى الناصريه كانت اجازته اسبوع كنتقد دعوت له اقسم اني فعلت وذكرته عند الامامينعندما نزلت في اجازتي بعده بيوم، وحين رجعتجلبت معي بعض من المال كي اساهم بخطبته لقدكان أخي الذي لم تلده أمي… أنقضى الأسبوع لكنحميد لم يعد، شعرت بالخوف ولعل أمر ما حدث اوأن والدها احس بالعلاقة فقتله او قتلها فذلك عُرفسائد بين العشائر، فالعرض لا يمكن ان الأستهانةبأمره… خمسة ايام متتالية وأنا اتلظى على الجمررغم اني شاركت في معركة ورغم الخطورة لم اكنافكر في حماية نفسي بقدر ما افكر بحميدوسعدية… كدت أجن، بعد المعركة ذهبت لاسألأصدقائنا في الوحدة عن حميد، أغلبهم منالناصريه او البصرة او العمارة لكن لم يكن لدىاحد منهم خبرا عنه برغم ان البعض يعرفونه لكن لايعرفون بقصة حبه مع سعدية… كنت الوحيد الذييعرف، في اليوم العاشر جاء حميد نادما وقد رأيتهفلم اتعرف عليه، كان وجهه مخضرا كأن آفة قد أكلتنضارة وجهه واحساسه وشعوره بالحياة، تصورتهجثة هامدة وقد سُل تماما صار جلدا على عظم،تجمع الاصدقاء عليه واستغربوا حاله!!! الجميعادرك ان أحد من اهله قد مات فلحيته طويلة وشكلهمخيف، لم يكثر بالكلام قال بعد الإلحاح عليه… لاماكو شي تمرضت و وصلت الموت بس ما متت،الظاهر إلي عمر بالدنيا الجايفة هاي… احسالبعض وأنا منهم بأنه لا يريد ان يخبرنا عن السببفأكتفينا بذلك، كان لزاما عليه ان يسجن ا الحربوالمعارك اجلت كل ذلك… تركته ليلتها بعد ان قامبحلاقة ذقنه واستحم مجبرا.. ثم خرج الى باحةالمكان واخذ يدخن وانا اتطلع إليه، شغل فكريكثيرا، لم تمضي ساعة وإذا به قد سحق علبتين منالسجار فجننت!!! نهضت إليه قائلا له: حميد أنااخوك لو لا…
نظر لي وقد نزلت الدموع من عينيه بسرعة، لميستطع ان يمسك بها أو يمسحها، رمى بنفسه علىكتفي وهو ينحب خوية احمد راحت سعدية… راحتشطبة الريحان اللي احبها، رفض ابوهاينطينياها… وجع قلبي ما اكدر عليه، هي همطاحت ولولا امها جان كتلوها، عرف أبوها بينا بعدما طاحت بأن اكو بينها وبيني علاقة… لكن بعد ماتدخلت الام ونفت بإن ماكو شيء انطوها لأبنعمها… سمعت أنا وتسودنت يا خويه أحمد، عمريما حبيت ولا عرفت الحب إلا من شوية قصص وكلامشباب من نسهر ونتسامر، الوجع قوي كتلنيدمرني… ما ادري؟! وما أعرف شنو اسوي؟ انا مااريد ارجع، فكرت هواي وشفت انسب طريقة ألتحقبلكت اموت بالجبهة هنا وأخلص وقررت بعد ماارجع لأهلي ابد…
راح يبكي حميد بحرقة ويردد بأبو ذيات الجميلةالتي اعشقها وأحب ان اسمعها منه… فردد بيتايقول ( وسعة.. أريد أمشي بنهار الكيظ وأسعى… على ام نهد الجبير وعين وسعة… يا حافر لا تضيكالكبر وسعة… أخاف تصير موتتنا سوية..
أغمي على حميد، سقطت من يده حاجة عرفتبعدها بأنها تراجي كان يمسك بها.. تلقفتهاوحملته الى سريره.. جاء العريف فرأى حاله رق له،لعلها المرة الاولى التي أراه يرق على احد… فأمرنيبأن انقله للمشفى لتلقي العلاج ومن ثم العودة… سارعت بذلك مع بعض من الاصدقاء..
فتح عينه واخذ يبحث بجنون عما كان يمسك به.. اراد ان يسألني فناولته التراجي قائلا له: اتبحثعن هذه.. هز رأسه وهو يقول: اشتريتهن من الكاظمهدية لسعدية، ردت افرحها وافرح روحي، لكن القدراراد ان يكتلني مرتين مرة من اخذها مني بالقوة،ومرة من هزمني حظي.. احمد بهاي اللحظة أنااشوفن عزرائيل واكف يريد ياخذني وياه…
ضحكت وقلت له: حميد انت تخبلت، ترى لا انتاول واحد يحب ويخسر حبيبته ولا اخر واحد.. صدكني إلك سهم بهذه الدنيا وتكون غيرها مننصيبك.. بس شد حيلك انت وراح اخليك يميتعيش وياي هنا ببغداد الى الابد تدري شكد أحبكمثل اخوي واكثر…
تطلع لي بعد ان ملئت الدموع عينيه وقال بصوتضعيف.. احمد خلي التراجي وياي يدفنونهن بعدسعدية ما اريد الحياة.. لم يسعني الموت ان امسكبه كي يتعلق بالحياة، كان قبض روحه اسرع مننزول دموعه.. فاضت روح حميد وفاضت لعناتيعلى القدر وتلك المسميات التي تقتل بسبب عاداتوتقاليد، لم تتغير رغم تغير العالم والتطور… الىاللقاء حبيبي واخي حميد، أعذرني لأني لم اكن الىجانبك بوجعك يتولاك الله برحمته.
