لقاء خاص مع الفنان النحات أحمد البحراني

حاوره من الدوحة فاروق الرماحي

في الزمن الذي تُصاغ فيه الهويّات على الورق وتُنسى في الذاكرة، يخرج من عمق الطين العراقي صوتٌنحّاتٌ يحوّل الصمت إلى منحوتة، والظلّ إلى شكلٍ يحاور الضوء .

إنه أحمد البحراني، الفنان الذي لم تقيّده حدود الجغرافيا، بل جعل من الجرح العربي مادة خامًالإبداعه، ومن الذاكرة العراقية منحوتة تقاوم النسيان .

هو صانع كأس الخليج ، الرمز الذي عبر عن لحظة فرح نادرة في زمن الإنكسار، وصاحب التماثيل التيتنبض بالصراع، بالهوية، وبالأسئلة .

بين الحديد والنار، والفراغ الممتلئ، شكّل البحراني عالمه، لا كمجرد فنان تشكيلي، بل كصوتٍ بصريٍّعربيٍّ له فلسفته وقلقه الخاص .

في هذا الحوار، نقترب من الفنان الذي يقيم في المنفى، لكنه لم يغادر العراق أبدًا .

نحاوره عن النحت، عن الكأس، عن الوطن، عن المنفى، وعن الفكرة حين تتحول إلى طينٍ يقاوم العدم .

كيف بدأت رحلتك مع النحت؟ وهل كنت ترى الفن خلاصًا أم قدرًا ؟

ولدتُ على جرف نهر الفرات، وكنتُ أعتبر ذلك الجرف أول بيتٍ وأول مرسمٍ لي. لعبتي الأولى كانت طينالفرات، ومنه صنعت أولى منحوتاتي، شخصيات مدينتي طويريج .

لا أنسى ذلك اليوم حين عاد والدي من عمله ليجدني منهمكًا عند النهر .

كنت أتهيأ للعقاب، لكن المفاجأة أن وجهه أضاء بالإعجاب .

اصطحبني بجولة بين المنحوتات الصغيرة وكأننا في افتتاح معرض شخصي ، نعم، أعتبر أن أول معرض شخصي لي كان هناك، على ضفة الفرات، الذي أخذ المنحوتات مع المد، وكأن النهر اقتناها مني !

بعدها جاءت زيارتي المدرسية الأولى إلى مدينة بابل الأثرية .

رأيت هناك أسد بابل، مسلة حمورابي، شارع الموكب، والجدران الغارقة بالمنحوتات والأساطير . هذهالمشاهد ظلت محفورة في ذاكرتي حتى اليوم، تلهب خيالي وتشدني نحو الفن .

لهذا، لا أرى الفن لا خلاصًا ولا قدرًا .

أراه نهرًا ،مثل الفرات،كنتُ منذ طفولتي أستحمُّ فيه، أغرف منه، وأعيد تشكيله .

الفن بالنسبة لي ليس خيارًا، بل امتدادًا ليدي التي كانت تمتلئ بالطين، ولعيني التي كانت تتشبثبالنحت أينما وجد .

إلى أي مدى أثّرت البيئة العراقية، بمدنها وترابها، في تكوينك الفني؟

ولدت في مدينة طويريج، المدينة التي تتوسط الطريق بين بابل التاريخية، حيث نشأت الحضاراتالأولى، وبين كربلاء بما تحمله من إرث ديني وروحي عظيم مقدس .

ولهذا أعتبر أنا من المحظوظين، لأنني نشأت في هكذا مكان يجمع بين رمزية التاريخ وقدسية الروح .

لقد ترك هذا الموقع المدينة المييز بصمته الكبيرة والعميقة في تكوين شخصيتي كأنسان وفنان .

البيئة العراقية بكل تفاصيلها أثّرت فيّ على مستويات عدة .

من ناحية، كان لتراب الأرض ورائحة الأنهر والأسواق القديمة، أثر بصري وشعوري شكّل ذائقتي الفنية .

ومن ناحية أخرى، كانت المآذن، والمواكب، وطقوس العزاء، والمناسبات الدينية الكبرى التي تعبر شوارعطويريج جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة وجداني .

هذا المزج بين التاريخ والأسطورة، بين الديني واليومي، جعلني أرى العالم من منظور متعدد الطبقات , حيث لا يكون الجمال فقط في الشكل ، بل في المعنى ، ولا تكون اللوحة مجرد ألوان، بل نافذة علىوجدان مثقل بالرموز والقصص .

الإنسان العراقي لا ينفصل عن أرضه، فهي ليست مجرد خلفية لحياته، بل هي جزء من روحه .

وأنا كفنان، أحمل في داخلي هذه الأرض بكل ما فيها ، من نور بابل، إلى دمعة كربلاء، ومن صمت الأهوار،إلى ضجيج مدينة بغداد الجميل الذي عشته عندما بدأت أول خطوات دراستي في معهد الفنون بدايةالثمانينيات ٠

ما الذي جعلك تختار النحت، هذا الفن الثقيل والصلب، للتعبير عنك ؟

ربما تكون الإجابة الحقيقية أن النحت لم يكن خيارًا واعيًا بقدر ما كان قدرًا يرافقني منذ الطفولة .

فأنا أشعر أن روح نحات عراقي قديم من بلاد مابين النهرين تسكن روحي !

ما زلت أذكر جيدًا لحظة وقوفي أمام أسد بابل، ذلك التمثال المهيب الراسخ في الأرض كشاهد على قوةالزمن وكرامة الإنسان .

ومن بعده مسلة حمورابي، التي جعلتني أدرك أن الحجر ليس صامتًا كما يبدو، بل هو كتاب مفتوح لمنيعرف كيف يقرأه .

وفي طويريج، حيث نشأت، كانت البدايات بسيطة لكنها مؤثرة .

لا أنسى فاضل الأخرس، جاري الذي كان يصنع الطائرات الورقية بمهارة ودهشة، وكنت أقلده فيصناعتها وأنا أضع فيها شيئًا من خيالي الطفولي .

كنت أراه يحوّل الورق الملوّن وعيدان سعف النخيل إلى طائرات ساحرة، كأنها منحوتات معاصرة تُحلّقفي السماء، وتمنحني حلمًا لا ينتهي .

تلك كانت أولى محاولاتي لتشكيل المادة، ولو بشكل عفوي .

لكن الشرارة الحقيقية بدأت على يد أستاذي جعفر، معلمي الأول في مدرسة عقبة بن نافع، الذي انتبهإلى شغفي بالتشكيل، فشجعني وفتح أمامي أبواب الاكتشاف .

ثم جاءت لحظة التحول، عندما أقمت أول معرض لي على ضفاف نهر الفرات .

تلك التجربة الصغيرة في حجمها، الكبيرة في أثرها، جعلتني أشعر بأن الفن يمكن أن يكون جزءًا منالنسيج اليومي لحياة الناس، وأن النحت ليس مجرد عمل صامت، بل رسالة حية تنبض وسط الماءوالتراب والناس .

اخترت النحت لأنه الأقرب إلى مزاجي الداخلي، إلى إيماني بأن الجمال لا يُولد من السهولة، بل منالصراع مع الكتلة، من النحت في المعنى كما في المادة .

هو فن ثقيل نعم، لكنه يخلق خفة من نوع آخر, خفة البصيرة، وخفة الكشف، وخفة البقاء .

كيف تصف علاقتك بالعراق اليوم؟

هل هو ذاكرة، جرح، أم مشروع لم يكتمل؟

العراق بالنسبة لي ليس مجرد وطن، بل هو كائن حي يعيش و يتنفس في داخلي بكل ما يحمله من جمالوألم وتناقض .

لا أستطيع أن أضعه في خانة واحدة, فهو الذاكرة، والجرح، والحلم المؤجل

جميعها في آنٍ واحد .

هو الذاكرة، لأن طفولتي ما زالت معلّقة على جدران طويريج، في الطين الذي لعبت به، وفي نداءاتالمساء، وفي صوت أمي وهي تناديني من آخر الدربونه الضيقة .

العراق يسكنني في تفاصيل لن تموت، في نهر الفرات، في مواكب عاشوراء، في رائحة الخبز والدخانالمنبعث من تنور أمي .

وهو الجرح، لأنني رأيت كيف ينكسر الوطن مثل تمثال هشّ تحت مطرقة الحروب والخذلان .

رأيت الأصدقاء يتبعثرون، والبيوت تُهدم، والثقافة تُقصى، والفن يُهمَّش .

الجرح ليس فقط سياسيًا، بل روحي أيضًا

ولأنكَ حين ترى أرضك تنزف ولا تستطيع إيقاف النزيف، يتحول الألم إلى جزء من كيانك .

أما كونه مشروعًا لم يكتمل، فهو كذلك .

العراق لا يزال عملاً فنيًا تحت الإنشاء، لوحة لم تكتمل ألوانها، تمثالًا في منتصف النحت .

نحن جيل تربّى على الحلم، وما زلنا نحمل الإزميل بيد، والأمل في اليد الأخرى، نحاول أن نمنح هذا البلدشكلاً يليق بتاريخه وإنسانيته .

علاقتي بالعراق ليست علاقة مكان، بل علاقة مصير.

وأنا، رغم المسافة، ما زلت أنتمي إليه كما ينتمي الحجر إلى الجبل، لا يُفرقه الزمن ولا تذروه الريح.

وأنا واثق أنه سيعود أقوى وأجمل ٠

في المنفى، هل تحررت من القيود أم ازداد شعورك بالغربة الفنية والسياسية ؟

المنفى الذي فرض علينا في ظاهره، يمنحك هامشًا واسعًا من الحرية، لكنه في العمق يكشف لك حدودًاجديدة من الغربة، لا تُرى إلا عندما تُصبح بعيدًا .

نعم، تحررت من الرقابة المباشرة، من الخوف من المحلية في نتاجي الفني ، من الصمت المفروض،ومن قيود المؤسسة السياسية التي كانت تختزل الفن في شعارات تعبويه موجهه .

لكنني، في المقابل، دخلت في نوع آخر من القيود،قيود السؤال المستمر عن الهوية، عن الجمهور، عنالمعنى، عن اللغة التي يمكن أن يفهمني بها الآخر .

في المنفى، لم أعد فقط فنان يحمل أدواته الفنية ، بل أصبحت شاهدًا على وطن يتآكل من الذاكرة،ويحيا فقط في التفاصيل الصغيرة التي أحاول أن أستحضرها في أعمالي .

أصبحت منحوتاتي تحمل مواضيع لم أعد أراها، وأصواتًا لم أعد أسمعها إلا في داخلي .

فني ازداد عمقًا في الغربة وتعلمت كثيراً ، لكنه أيضًا ازداد وجعًا .

لأنك حين تخلق وأنت بعيد، فأنت تحاول أن تعيد تشكيل وطنك بيدك، قطعة قطعة، كأنك تحميه منالنسيان والتلاشي .

السياسة ما زالت تطاردك، لكن من زاوية أخرى، زاوية السؤال الأخلاقي، زاوية الحنين، زاوية المسؤوليةتجاه ما كل تركت .

المنفى ليس حرية خالصة، ولا غربة كاملة .

هو تلك المسافة الحرجة بين ما كنت تستطيع أن تقوله وما كان يُمنع عليك، وما بات بإمكانك أن تصرخبه الآن .

هل تعتقد أن الفن العربي ما زال أسيرًا للهويات الممزقة؟

أم أصبح أكثر تحررًا في الشتات؟

هذا سؤال مهم  لا يمكن الإجابة عليه بنعم أو لا، فالفن العربي يعيش حالة مزدوجة . من جهة، ما زالمشغولاً بقضايا الهوية والحنين والاغتراب نتيجة الحروب والنزوح، مما يضفي على الأعمال نبرة ألم وقلق. ومن جهة أخرى، فتح الشتات آفاقًا جديدة، حيث وجد الفنانون العرب في الخارج مساحة للتعبير الحروالانفتاح على تيارات معاصرة، وأعادوا تشكيل علاقتهم بالهوية بشكل أكثر مرونة .

لم يعد الفن العربي أسير الماضي، لكنه أيضًا لم يتحرر كليًا، بل يقف في منطقة رمادية خصبة تسمح لهبالتجدد والتطور .

أعمالك تحوي رموزًا سياسية وأبعادًا إنسانيةهل تشعر أنك تسير في درب الفنان الملتزم أم أن التعبيرالحر وحده هو ما يقودك ؟

سؤال الالتزام الفني دائمًا ما يطرح على البحراني وعلى أغلب الفنانين ، خصوصًا حين يتقاطع الفن معالقضايا الكبرى الشخصية والعامة .  لكنني لا أتعمد أن أكون فنانًاملتزمًابمعناه الأيديولوجي .

أنا ببساطة لا أستطيع الانفصال عن الواقع، فالفن بالنسبة لي هو انعكاس لحالة داخلية وإحساسبالمسؤولية.

أراه فعل تذكير ومقاومة وشفاء، وليس مجرد زينة. ألتزم بالصدق وبالطرح الجمالي والفكري، وأسعى لأنيكون فني سؤالًا مفتوحًا لا شعارًا .

وإن كان الالتزام يعني الحضور الواعي والانحياز للإنسان، فأنا لا أتهرب منه، مع احترامٍ لجماليات العملووعي باختلاف المتلقين .

حدثنا عن تجربتك في تصميمكأس الخليج”. كيف تعاملت مع رمز رياضي بهذه الحساسية؟

تصميمكأس الخليجكان واحدة من أهم محطات حياتي الفنية، ليس فقط لأنه ارتبط بحدث رياضيجماهيري مهم بالنسبة لأبناء الخليج لأن هذه البطولة محلية ولكنها تعد حدثاً مهماً لأبناء الخليج ، هذاالكأس شكل لحظة فارقة في مسيرتي .

تعاملت مع هذا التصميم كمسؤولية كبرى، خصوصًا وأنه جاء في توقيت حساس جدًا، مع عودة العراقللمشاركة في البطولة من بوابةخليجي 17″ في الدوحة، بعد انقطاع طويل بسبب المقاطعة السياسية . لذا، لم يكن التحدي فقط فنّيًا، بل أيضًا إنسانيًا ووجدانيًا .

من حيث الفكرة، استلهمت تصميم الكأس من عناصر متجذرة في هوية الخليج .

كان غطاء الرأس الرجالي ، الشماغ والغترة والكوفيه، هو النقطة المحورية في التصميم، باعتباره رمزًاجامعًا لدول المنطقة .

أضفت إلى ذلك تضاريس أرض الخليج، بكل ما تحمله من تنوع وثراء، ووُضعت اللؤلؤة في أعلى الكأس،تكريمًا لتاريخ المنطقة البحري ورمزًا للندرة والقيمة .

كما حرصت على أن تحضر المبخرة في التصميم، كتعبير عن الضيافة والكرم، وروح الخليج الأصيلة .

هذا العمل قرّبني كثيرًا من الجمهور الرياضي، خصوصًا الشباب، وشكّل نقطة انطلاق واسعة لانتشاراسمي خارج الأوساط الفنية التقليدية .

كنت فخورًا أن أرى عملًا فنيًا يتحوّل إلى رمز عاطفي يجمع الناس، ويُتداول في الملاعب، والشاشات،وحتى في الذاكرة الجماعية للمنطقة .

كأس الخليجبالنسبة لي لم يكن مجرد إنجاز تصميمي، بل كان أحد تلك الأعمال التي رسمت لي طريقًامختلفًا، وجعلتني أؤمن أكثر بأن الفن يمكنه أن يعبر الحواجز، ويصل إلى القلوب مهما اختلفتاهتمامات الناس .

هل ما زال للفن التشكيلي العربي صوتٌ مسموع في ظل طغيان الصورة الرقمية؟

رغم هيمنة الصورة الرقمية، لا يزال للفن التشكيلي العربي حضور فاعل في المشهد الثقافي. وقد أثبتقدرته على التكيف مع التحولات، محافظًا على هويته .

فنانو الجيل الجديد يمزجون بين الوسائط التقليدية والرقمية، ويعيدون تقديم رؤاهم عبر المنصاتالحديثة دون فقدان العمق .

المعارض والمبادرات تؤكد أن الفن التشكيلي يتطور ولا يتراجع. أرى أن الرقمية فرصة لا تهديد، ولكلجيل لغته وأدواته في التعبير الفني.

كيف ترى الجيل الجديد من الفنانين العراقيين؟

وهل نحن بصدد قطيعة مع التجربة السابقة؟

الحديث عن الجيل الجديد من الفنانين العراقيين هو حديث عن الإبداع في وجه التحدي، والجمالالمنبثق من واقعهم اليومي الصعب .

هذا الجيل لا ينفصل عن جذوره الفنية، بل يعيد قراءتها ويطور رؤيته ضمن ظروف زمنية ومجتمعيةقاسية .

ورغم ما يواجهه الفنانون في الداخل من محدودية الموارد وتراجع البنية الثقافية وغياب الدعم، نشهدحالة مدهشة من الإصرار والتجدد .

المعارض، الورش، والمبادرات الفردية تُنتج أعمالًا ذات حساسية عالية تجاه الواقع، وجرأة في الطرح،وبراعة في توظيف الوسائط .

ما يميز هؤلاء الفنانين هو أصالتهم وعدم انسياقهم وراء الصيحات العالمية على حساب خصوصيتهم، إذيقدمون فنًا عراقيًا معاصرًا يستلهم تاريخه دون أن يكون أسيراً له.

العلاقة بين الماضي والحاضر تظهر بوعي جديد في الشكل والرمز واللون .

لسنا أمام قطيعة مع الماضي، بل امتداد نقدي وخلاق له .

الجيل الجديد لا يتبع من سبقوه بل يبتكر، ويسعى لإعادة تعريف دور الفنان في مجتمع مأزوم .

وفي النهاية، ما يُقدمه فنانوا العراق في الداخل لا يقل أهمية عمّا يُنتج عالميًا، بل غالبًا ما يتفوّق عليهبصدقه وعمقه وإنسانيته.

لو طلبنا منك أن تنحتالعراق المعاصر، كيف سيكون شكله؟

لو أُتيحت لي الفرصة وطلب مني أن أقدم عمل نحت العراق المعاصر، فلن يكون مجرد مشروع فنيوتقني ، بل هو رسالة حب ووفاء لهذا البلد العظيم الذي أفتخر أنني أبنه وأحد فنانيه .

سيكون عملًا يحمل في روحه نبض الناس يحمل ذاكرتي وذاكرة الناس و المدن، وقوة الصبر والأمللديهم

أطمح أن يكون نحتًا يضاهي أعمال كبار الفنانين في تاريخ الفن  لا من باب المنافسة أبداً ، بل من بابالإيمان بأن العراق يستحق الأفضل ، بتاريخ شعبه وعمق حضارته وحجم معاناة شعبة وصبرهم ، يستحقأن يُعبّر عنه بمشروع فني عظيم  يليق بمكانته، ويروي للعالم حكاية وطنٍ لا يزال يصنع الحياة رغم كلشيء .

ريم البحراني، ابنتك، تمضي في درب الفن، لكنها ترسم بخطواتها ظلاً خاصاً بها، بعيداً عن ظلك، ومندون أن تنكره .

كيف ترى هذا التشكّل الفني المستقل؟

وهل تعتقد أن الفن يسكن الدم، أم أنه يُخلق من الوجع والتجربة فقط؟

في مجتمعاتنا الشرقية بشكل عام وفي العراق بشكل خاص هناك أحكام جاهزة ، كثيرًا ما يُحاكم الأبناءمن موقع أسمائهم لا من موقع تجاربهم التي يقدمونها !، ويُظلم الفنان أو الرياضي الشاب لأنه ابن فنانأو أبن رياضي وكأن الموهبة يمكن أن تُورَّث تلقائيًا أو تُمنَح بالاسم .

والحقيقة أن الأب مهما بلغت مكانته  الفنية لا يستطيع أن يدفع بابنه أو ابنته إلى عالم الفن  إن لم يكنلديهم الموهبة الحقيقية والرغبة الصادقة في خوض هذا الطريق الشاق .

ريم، ابنتي لم تدخل هذا العالم من باب اسمي بل من باب بحثها نعم قد تكون استفادت لوجستيًا منوجودي كأي ابنة لفنان له خبرة طويلة لكنّها حرصت منذ البداية على أن ترسم مسارها الخاص أن يكونلها صوتها  واستقلالها لم تَقبل أن تكون ظلًا لي بل صارت ضوءًا قائماً بذاته وهذا ما أفتخر به فعلاً .

ما يميّز تجربتها أنها تحمل خصوصية واضحة وبحث خاص بها وهو ما جعلها تحجز لنفسها مكانًا محترمًابين أبناء جيلها هي لا تقدّم نفسها كفنانة عراقية بالمعنى المباشر رغم اعتزازها العميق بجذورهاالعراقية لكنّها لم تعش في العراق ولم تَزره فقد وُلدت ونشأت وتعلّمت في المنافي في فضاءات بعيدةجغرافياً لكنها ظلّت قريبة وجدانياً من بلدها الأم .

ريم تؤمن وأنا أشاركها هذا الإيمان أن الفن ليس مرهونًا بالهويات الضيقة،بل هو لغة إنسانية عالمية تعبّرعن همّ الإنسان أينما كان وهذا بالضبط ما يجعلها فنانة معاصرة بحق  ومنفتحة على العالم .

في نهاية هذا الحوار، نغادر عالم أحمد البحراني وقد حملنا من منحوتاته بعضًا من أثقال الأسئلة، ومنكلماته ملامح وطنٍ لم يعد يُرسم على الخريطة، بل يُنحت في الذاكرة .

فنان لا يكتفي بأن يصوغ الشكل، بل يوقظ المعنى، ويُعيدنا إلى جوهر الفن،أن يكون شهادة على الزمن،واحتجاجًا على العبور الصامت .

من طين العراق إلى معارض العالم، من كأسٍ حمل أفراح الملاعب إلى تماثيل تحمل قلق الإنسان، يبقىأحمد البحراني أحد أولئك الذين لا يصنعون الفن فحسب، بل يُعيدون تشكيل وعينا بهويتنا، بتاريخنا،وبأحلامنا المؤجلة .

نهاد السامرائي: استوحيت من  الفنان نصير شمه  أزياء عالمية تجسدت فيها ثقافات الشرق

حوار : دنيا صاحبالعراق

بخطوات واثقة، تُبدع الكاتبة ومصممة الأزياء العراقية نهاد السامرائي، بالتعاون مع الفنان والموسيقارالعالمي نصير شمه في مشروع استثنائي غير مسبوق، تحوّل 70 لوحة فنية من أعماله إلى قطع أزياءفريدة تنبض بجمالية الشرق وسحره وتعكس تنوع ثقافاته في تصاميم مبتكرة تحمل روح العصر بلمسةأنثوية مبدعة تنسج خيوط الأصالة في أبهى صورها.

ولا يقتصر هذا المشروع على عالم الموضة والأزياء فحسب بل يمتد ليشمل تصميم قطع أثاث فنيةومجوهرات مستوحاة من لوحات الفنان نصير شمه في تناغم جمالي يمزج بين التراث والحداثةبانسيابية وذوق رفيع ليبتكر لغة بصرية جديدة تُجسد الهوية الثقافية الشرقية بروح معاصرة.

في هذا الحوار الحصري، تكشف نهاد السامرائي عن تفاصيل هذه التجربة متعددة الأبعاد، التي تمثلمحطة مهمة في مسيرتها الفنية، كما تستعرض رؤيتها الطموحة لفتح آفاق جديدة للتواصل بين الفنونالجميلة وفن الأزياء، والثقافات المختلفة، عبر مشروع يُعيد قراءة الفن التشكيلي بوصفه تعبيرًا بصريًاحيًا ينبض بالألوان والرموز والمعاني، ويُترجم الموسيقى كنبض روحي يتجاوز الزمن، يصوغ اللحظاتعبر الإيقاع والنغم، فيما يُقدم تصميم الأزياء كفن تعبيري يجمع بين الشكل والملمس والوظيفة، ليحملرسالة ثقافية وجمالية عالمية.

§ كيف تقدمين نفسك للجمهور؟ من هي نهاد السامرائي، وكيف كانت مراحل مسيرتك المهنية؟

§ أنا نهاد واثق السامرائي، مصممة أزياء وكاتبة عراقية درست الترجمة الفورية وتخصصت فيها فيالمملكة المتحدة. أنا ابنة الفنان المسرحي والمعماري الراحل واثق السامرائي، أحد روّاد الحركةالمسرحية في دولة الإمارات العربية المتحدة. وُلدت في 13 سبتمبر 1974 في إمارة أبوظبي.

بدأت مسيرتي المهنية في قطاع النفط، حيث عملت مع شركة أدنوك وشركة الاستثمارات البتروليةالدولية (IPIC) في أبوظبي. لاحقًا، انتقلت إلى عالم تصميم الأزياء، وأسست في المملكة المتحدة داربلاك كراون ليبل (علامة التاج الأسود) في عام 2020، التي تُعنى بتقديم تصاميم أزياء متفردة تجمع بينالأصالة والحداثة.

في عام 2024، أصدرت كتابًا بعنوانرحلة الواثقبجزئيه الأول والثاني، الذي يوثق سيرة والدي واثقالسامرائي وتجربته الرائدة في تأسيس المسرح الإماراتي في الستينيات. جرى توقيع الكتاب في مكتبةمحمد بن راشد في دبي، بحضور شخصيات ثقافية وإعلامية بارزة، من بينهم سفير جمهورية العراق فيالإمارات الدكتور مظفر مصطفى الجبوري، ونائب رئيس مسرح الشباب للفنون الدكتور حبيب غلوم.

كما شاركت في إعداد كتابالمسرح في الإمارات.. تجربة واثق السامرائي في الستينيات والسبعينياتمن القرن العشرين، الصادر عن الهيئة العربية للمسرح، والذي يُوثق سيرة والدي منذ وصوله إلى دبيفي 22 أبريل 1963، ودوره البارز في تأسيس وتطوير الحركة المسرحية في الإمارات من خلال عروضه فيإمارات الشارقة ودبي.

بهذا المسار، أحرص على توثيق إرث عائلتي الثقافي والفني، وأسعى إلى إظهار التزامي العميق بالفنوالثقافة في كل من الإمارات وبلدي الأم العراق.

§ كيف تصفين تجربة التعاون مع الفنان والموسيقار نصير شمه في إعادة تعريف العلاقة بين الفنالتشكيلي، والموسيقى، وتصميم الأزياء؟ وهل تعتبرين هذا المشروع بداية لمدرسة فنية جديدة فيعالم تصميم الأزياء؟

§  هي تجربة فريدة تُعد الأولى من نوعها عربياً وعالمياً، حيث شهد عالم الموضة عرض أزياء غيرمسبوق، يعتمد بالكامل على لوحات فنية كمصدر وحيد للإلهام والتصميم.

سبعون لوحة فنية تحولت إلى سبعين فستانًا، في احتفاء استثنائي باللون باعتباره حياةً، وحركةً، وثقافةً،العرض كان بمثابة جسر بصري يربط بين ثقافات متعددة، كالعربية والهندية واليابانية والكردية وغيرها،يتوسطها اللون كرمز إنساني وجمالي يتجاوز الحدود.

ما يميز هذه التجربة حقًا هو أنها المرة الأولى التي يُقام فيها عرض أزياء يعتمد كليًا على أعمال فنانواحد، فتحولت اللوحات إلى أقمشة تنبض بالحياة. هذا العرض لم يكن مجرد حدث للأزياء، بل ولادةوعي جديد يوسّع وظيفة اللوحة ويُعولم جمالياتها، لتصبح الأزياء وسيلة تعبير عن جوهر المرأة وإبرازقيمتها الإنسانية والثقافية.

§ ما نوع الأقمشة التي اخترتِها لتحمل طبعات ألوان وزخارف لوحات الفنان نصير شمه؟ ولماذا وقعاختياركِ على هذه الخامات بالتحديد؟

§  اخترنا بعناية أقمشة التفتا والشيفون، والحرير الطبيعي بالإضافة إلى أنواع مبتكرة من الخامات، لأنهاتمتاز بمرونتها وقدرتها على إبراز التفاصيل الدقيقة للألوان والزخارف وتُضفي على التصاميم لمسة فنيةتليق بقيمة الأعمال التي استلهمناها.

§ ما هي المراحل الأولى لتقديم العروض الخاصة بتصاميم الأزياء، وأين ستقدمانها؟

§  سيُقام أول حدث وعرض أزياء لمجموعة مختارة من الشخصيات العالمية في جزيرة العالم يوم 11 يونيو، يليه بعد أيام العرض الأكبر في قاعة أجندة بدبي يوم 15 يونيو، بحضور نخبة من الفنانينوالمثقفين الكبار من العالم العربي ودول عديدة أخرى. يُعد هذا العرض الأول من نوعه عالميًا، سواء منحيث عدد القطع المعروضة أو لكونه عرض أزياء يُقام في جزيرة.

بعد ذلك، سينتقل العرض إلى محطات عالمية، بدءًا من مدينة العلمين الساحرة، ثم إلى لندن، وباريس،وميلانو، ومتحف اللوفر في أبوظبي، إضافة إلى قطر، وطوكيو. ومن بين هذه المحطات، ستكون العراقمن أهمها، حيث ستكون هذه المرة الأولى التي أزور فيها العراق وسيُقام هناك أكبر وأضخم عرض أزياءفي العالم، وهو حدث استثنائي سأشارك فيه إلى جانب الموسيقار العالمي نصير شمة، في تجربة تجمعبين الفن والموسيقى والموضة في آنٍ واحد.

§ كيف ترين تأثير عرض هذه التصاميم في عواصم الموضة العالمية مثل لندن، وباريس، وميلانو،وطوكيو؟

§ أتوقع تأثيرًا إيجابيًا جدًا سواء من حيث الفكرة أو التنفيذ. المشروع يُعد سابقة في عالم الموضة، حيثيُترجم إبداع فنان واحد وهو الفنان والموسيقار نصير شمه إلى تصاميم أزياء كاملة، بشكل دقيق يعكسروحه وأفكاره. يمكنني أن أصفها بأنها ستكون بمثابةصرخةجديدة في عالم الموضة، خاصة عندماتأتي من شخصيتين عراقيتين، تحملان هذه الرؤية للعالم.

§ ماذا يعني لكِ تقديم أول عرض أزياء في العراق، وطنكِ الأم، برفقة الفنان نصير شمه؟

§ أنا متحمسة جدًا، لأن العودة إلى العراق وتقديم هذا المشروع العالمي يحمل بالنسبة لي معنىً خاصًا. سيكون العرض استثنائيًا بكل المقاييس في عالم صناعة الأزياء، حيث سيكون العراق، وتحديدًا عاصمتهبغداد، أول بلد في العالم يستضيف عرضًا يضم 100 قطعة فنية مصممة بأسلوب عالمي، مستوحاةبالكامل من أعمال فنان واحد هو الموسيقار والفنان القدير نصير شمه، لتتحول لوحاته إلى تصاميم أزياءتنبض بالإبداع، والفن، والجمال.

بالنسبة لي، ستكون تلك اللحظة استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فهي ليست مجرد مشاركة فيعرض أزياء، بل رسالة تُسلط الأضواء على العراق، والفن العراقي، والثقافة العراقية، لتعيد إبرازها فيالمشهد العالمي بشكل يليق بتاريخ العراق وإبداعاته.

§ في ظل التطور التكنولوجي المتسارع والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي، كيف ترين تأثير هذهالتقنيات على فن تصميم الأزياء وابتكار الألوان وأشكال الأقمشة، وكذلك في رسم اللوحات وتأليفالألحان الموسيقية؟ وهل تعتقدين أن هذه الأدوات قد تشكّل تهديدًا للأصالة واللمسة الإنسانية التيتعبّر عن مشاعر الروح في هذه الفنون الراقية؟

§  أنا مع فكرة الاستفادة من الذكاء الصناعي، لكنني أرى أن له حدودًا معينة. الذكاء الصناعي لن يدخلبنسبة كبيرة في الأعمال الفنية، لأن الفن يتطلب دائمًا تلك اللمسة الإنسانية التي تعبر عن روح الفنانومشاعره وأفكاره.

الذكاء البشري هو الذي يُسخّر الذكاء الصناعي لخدمة الإبداع، وليس العكس. أؤمن أن الذكاء الصناعيأداة، لكنه لا يمكن أن يحل مكان الإنسان بالكامل.

§ هل هناك مشروع مستقبلي لتوظيف لوحات الفنان نصير شمه في تصميم الأثاث؟

§ نعم، بالتأكيد! بدأنا بالفعل العمل على توظيف رسومات الفنان نصير شمه في تصميم الأثاث. أعملحالياً على تصميم قطعة أثاث تجمع بين التراث والحداثة، إلى جانب مشروع لتصميم الأواني والخزفياتوالمجوهرات. جميع هذه التصاميم مستوحاة بالكامل من أعمال الفنان نصير شمه، لتعكس روح إبداعهفي أشكال فنية جديدة.

§ ما هي الرسالة الجمالية والثقافية التي تسعين لإيصالها من خلال هذا المشروع؟

§ رسالتي هي إبراز الهوية الثقافية والفنية للمرأة العربية في قالب معاصر، وإحياء التراث بروح متجددة،مع تقديم صورة متكاملة تعبر عن الحشمة، والجمال، والقيافة، والأناقة التي تحملها المرأة العربية. أسعى لأن تكون تصاميمي مرآةً لهذه القيم وأن تُمثّل المرأة العربية بكل ما تحمله من أصالة تكونتصاميمي مرآةً لهذه القيم، وتجسّد المرأة العربية بكل ما تحمله من أصالة، وعزّة، وفخر، ورفعة، وجمال.


مشاركة المقال :