تقرير: فاطمة الراوي – بغداد

في قاعة المعهد الفرنسي وسط العاصمة العراقية بغداد، كانت اللوحات المعروضة تشهد على إجرام تنظيم داعش، وذلك ضمن معرض فني نظّمه المعهد بعنوان «ذاكرة الحرب» للفنان سعد نعمه، وهو مخرج سينمائي وتلفزيوني عراقي حاصل على جائزة الإبداع العراقي، وله عدة معارض شخصية. المعرض غصّ بحضور واسع من المثقفين والفنانين والإعلاميين، العراقيين والفرنسيين، في مشهد ثقافي عابر للحدود.
وفي كلمة ترحيبية ألقاها مدير المعهد الفرنسي في بغداد
قال إن إقامة مثل هذه الفعاليات تهدف إلى مدّ الجسور بين العراق وفرنسا، وأردف بأن المعهد، منذ تأسيسه، يهدف إلى فتح نوافذ المعرفة والثقافة لتعريف الجمهور العراقي بالثقافة الفرنسية وبالعكس، إذ يستضيف اليوم أحد المبدعين والفنانين العراقيين، وهو الأستاذ سعد نعمه، الذي له إنجازات فنية رائعة. وأوضح أن الفنان قدّم في هذا المعرض لوحات عكست ما مرّت به الموصل العزيزة، وما خلّفته الحرب من دمار ومآسٍ، واختفاء لمعالم تاريخية، وانهيار تام للحياة، جراء دخول تنظيم داعش الإرهابي.
الصور التي عُرضت في المعرض لم تكن مجرد لقطات، بل شواهد احتفظ بها التاريخ ليشهد على حقبة صعبة من تاريخ الموصل. وأثناء تجوالي بين الأعمال، استمعت إلى الفنان سعد نعمه وهو يوضح مفاهيم الصور، وسبب اختياره لها، وأماكن التقاطها. لفتت انتباهي لوحة لبيت مهدّم لم يتبقَّ منه سوى هيكل حائط مهشّم بالرصاص، عكست الواقع المؤلم الذي عاشته الأسر من دمار بسبب الإرهاب.
وخلال التجوال في أروقة المعرض، وقعت عيني على سيدة إيزيدية أنيقة، كبيرة في السن، وهي تتحدث عن حقبة دخول التنظيم. التقيتها لأسألها عن تجربتها الواقعية كشاهد على التاريخ، فقالت إنها من سنجار، وكانت في المدينة عندما دخل “الدواعش” إلى مدينتهم، ورأت الأعمال الفضيعة التي ارتكبوها بحق سمان سنجار. ثم ذكرت بحسرة ما جرى لها ولعائلتها، وتحدثت عما عاشته من رعب وخوف، ومن ألم فقدان الأهل بسبب القصف والقتل. لم تتمالك نفسها وهي تحدثني عن أحبّتها، فأجهضت بالبكاء، وبينما كانت تتكلم رأيت نفسي أعيش ما تقصّه عليّ من أحداث وكأنني أنا من عشت تلك الأيام.
ولأن “المستقل” لا تغفل فرصة للوقوف عند صانع الحدث، اقتربنا من الفنان سعد نعمه ليحدثنا عن لوحاته وأعماله الفنية.

وحين طُرح عليه السؤال الأول حول فكرة هذا المعرض
قال إنه ذهب شخصياً لزيارة الأماكن من أجل تصوير فيلم روائي طويل بعنوان «عذراء سنجار»، وكان من المفترض أن يتوقف المشروع بسبب غياب التمويل، وما زال حتى الآن يبحث عن جهة داعمة لاستكماله. ويوضح أنه عندما توجّه إلى سنجار، كان الهدف الأساسي اختيار مواقع تصوير للفيلم، غير أن المشهد كان أقسى مما توقّع؛ فالدمار الذي لحق بأماكن كانت يوماً ما مأهولة بالحياة دفعه إلى التفكير في مسار آخر موازٍ، وهو توثيق هذه الأمكنة كما هي، شاهدةً على ما جرى. ومن هنا، لم يعد الأمر يقتصر على تصوير فيلم سينمائي فقط، بل تحوّل إلى فكرة معرض صور فوتوغرافية لينقل رسالة سلام موجّهة إلى الأجيال القادمة، يدعوهم فيها ألّا يكرروا أخطاء الماضي، وأن يجعلوا من التعايش السلمي والسلام خياراً دائماً، لا استثناءً مؤجلاً.
وعن مسألة ضعف التمويل الذي عطّل إنجاز الفيلم
أوضح أن تمويل الأفلام الروائية الطويلة يتطلب ميزانيات كبيرة، وبسبب ذلك فإن الجهات المعنية بهذا الشأن، سواء وزارة الثقافة أو النقابة أو غيرها من المؤسسات ذات العلاقة، لم تتمكن من توفير الدعم اللازم، لا سيما في ظل الأزمات والمشكلات التي شهدتها الحكومة مؤخراً، وما رافقها من نقص في السيولة المالية. ونتيجة لذلك، تعذّر تمويل هذه الأفلام في الوقت الحالي، الأمر الذي أدى إلى توقف المشروع إلى حين توفر جهة داعمة قادرة على تبنّيه.
وعند الانتقال إلى مضمون الفيلم نفسه
قال إن فيلم «عذراء سنجار» يتناول قصة أبٍ فقد ابنته في سنجار إبّان احتلال تنظيم داعش للمدينة، وبعد مرور سنوات على الفقد، وبينما لم يخفت الأمل في داخله، يقرر العودة إلى سنجار، مدفوعاً برغبة أخيرة في العثور على ابنته، أو على أثرٍ يقوده إليها.
وحين عبّرت “المستقل” عن رأيها في الرواية بوصفها عملاً إنسانياً رائعاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وتمنّت أن تجد الجهات الداعمة التي تؤمن بقيمته الفنية والإنسانية ليستكمل كفيلم سينمائي يليق بثقل قصته،
أكد أن هذا السيناريو حاز على جائزة الإبداع العراقي – المركز الأول على مستوى العراق، وهو ما شكّل دافعاً معنوياً كبيراً للاستمرار رغم كل التحديات. وأضاف أنه ما زال ينتظر، بإذن الله، جهات داعمة أخرى تتبنى هذا المشروع وتؤمن برسالته الإنسانية.
وفي ختام الحديث عن آماله الشخصية، قال إنه يعلّق آمالاً كبيرة على العوائل الإيزيدية نفسها، لما لمسه من حماس صادق تجاه فكرة الفيلم ورغبتهم في أن يرى النور بوصفه عملاً يوثّق ذاكرتهم ومعاناتهم. غير أن ما يحتاجه اليوم، كما يؤكد، هو جهة أو شخص يعلن عن وجود هذا المشروع، ويكون حلقة وصل لإيصال الفكرة إليهم، كي تتاح لهم فرصة المساهمة في دعمه وتمويله.
وفي الختام، تقدّم بالشكر لإتاحة هذه الفرصة للقاء، متمنياً للجميع مزيداً من النجاح.

