د. نوار السعدي
في سابقة تاريخية، وقع صندوق العراق للتنمية مذكرة تفاهم استراتيجية مع صندوق الثروة السيادي التركي في العاصمة بغداد بتاريخ 7 نيسان 2025، ضمن رؤية أوسع لمشروع طريق التنمية، الذي يسعى العراق من خلاله إلى تحويل موقعه الجغرافي إلى مركز اقتصادي عالمي يربط بين آسيا وأوروبا، ويُعيد تشكيل المشهد الاقتصادي في المنطقة.
هذا الحدث المفصلي جرى تحت شعار: “ربط الأمم وتمكين الأجيال”، وهو ليس مجرد تعبير شعاري، بل يمثل رؤية استراتيجية تتبناها الحكومة العراقية اليوم، هدفها تحويل العلاقة التقليدية مع الجوار الإقليمي، لا سيما تركيا، من علاقة تجارية آنية إلى علاقة استثمارية متكاملة، قائمة على الشراكة والتنمية المستدامة.
من التجارة إلى الاستثمار الاستراتيجي
لطالما اعتمدت العلاقة بين العراق وتركيا، خلال العقود الماضية، على التبادل التجاري، غالباً في اتجاه واحد. لكن اليوم، ومع توقيع هذه المذكرة، ننتقل إلى مرحلة جديدة تؤسس لشراكة استثمارية تقوم على مشاريع استراتيجية كبرى، تشمل قطاعات الطاقة، النقل، البنية التحتية، الاتصالات، التنمية الحضرية، التكنولوجيا، والخدمات المالية.
هذه المشاريع ستمول من خلال آلية مبتكرة تشمل مساهمات من القطاعين العام والخاص، إلى جانب فتح المجال أمام المؤسسات المالية الإقليمية والدولية. إنها دعوة للاستثمار الذكي في مستقبل العراق والمنطقة.
“طريق التنمية”: مشروع تمكين الاجيال
مشروع طريق التنمية هو مشروع اقتصادي عابر للحدود، يمتد من ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق، مروراً بالموانئ الجافة وشبكات السكك الحديدية والطرق السريعة، وصولاً إلى الحدود التركية، ومن هناك إلى أوروبا. هذا المشروع لا يقتصر على البنية التحتية فقط، بل يمثل منصة تنموية شاملة، تهدف إلى:
• تقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل.
• جذب الاستثمارات الخارجية وتحقيق النمو المستدام.
• خلق فرص عمل نوعية في مجالات النقل والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة.
• ربط الاقتصاد العراقي بشبكة التجارة العالمية.
البعد الإقليمي للمذكرة
الميزة الأهم في هذه المذكرة هي أنها منصة مفتوحة للانضمام أمام دول أخرى تشارك ذات الرؤية. العراق وتركيا يوجهان دعوة واضحة إلى جميع الدول الراغبة في الاستثمار والتنمية والانفتاح الاقتصادي للمشاركة في هذا المشروع. وهذا يعكس تحول العراق من دور المراقب إلى دور المبادر الإقليمي الذي يسعى لبناء تحالفات اقتصادية منتجة.
العراق أمام فرصة تاريخية
أن التحول النوعي في السياسة الاقتصادية العراقية لم يعد مجرد طموح بل أصبح واقعاً يتجسد في خطوات تنفيذية. العراق يمتلك اليوم فرصة حقيقية لإعادة بناء اقتصاده على أسس سليمة، قائمة على التنويع، الشراكة، والتكامل الإقليمي.
العراق لم يعد فقط بلداً يستهلك المنتجات أو يصدر النفط، بل يؤسس اليوم لدور اقتصادي ريادي في المنطقة، عبر مبادرات استراتيجية مدروسة، وعلى رأسها مشروع “طريق التنمية” ومذكرات التفاهم التي ترسي دعائم التعاون الإقليمي البناء.
هذا التوقيع لا يمثل فقط نجاحاً فنياً أو دبلوماسياً، بل هو نقطة تحول استراتيجية في مسيرة العراق الحديثة نحو استعادة دوره التاريخي كمركز للتجارة والتواصل بين الأمم.
مبروك للعراق هذا الإنجاز، وللأجيال القادمة هذا الأفق الجديد.
