تمر علينا ذكرى استشهاد الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، تلك القامة التي حملت في قلبها نور الحق رغم ظلام السجن وبرودة الجدران. لم يكن الإمام (عليه السلام) سجينًا لجدران تُحاصر الجسد، بل كان حرًا بروحه التي تجاوزت أفق الزمان والمكان، لتغرس قيمًا تتجاوز الظرف التاريخي إلى معنى أعمق وأبقى.
لقد كان السجن بالنسبة للإمام موسى الكاظم امتحانًا للإيمان والصبر. فحين يقف الإنسان أمام آلة الظلم وهو يعلم أن نصره قد لا يكون قريبًا، وحين يواجه الظلام بمعية اليقين، يصبح السجن محطة لصقل الروح لا لتحطيمها. وهنا تكمن رسالته التي نحتاج إلى استيعابها في عصرنا اليوم، عصر تُحاصر فيه الشعوب بقوى الظلم والاستبداد، ويقف فيه الفرد في مواجهة جدران قهر ربما تبدو أكثر تعقيدًا من قضبان الحديد.
في واقعنا اليوم، نجد أنفسنا أمام أسئلة مشابهة لما واجهه الإمام: كيف نواجه الظلم دون أن نفقد الأمل؟ كيف نُبقي شعلة الصبر مشتعلة وسط رياح القهر واليأس؟ إن الإمام موسى الكاظم لم يكن فقط نموذجًا للمواجهة، بل كان رسالة متجددة بأن العدالة قد تُسلب لفترة، ولكن الإيمان بها وعدم الاستسلام هما ما يجعل الظلم يخشى الحقيقة.
لننظر حولنا اليوم: كيف تُسجن الأفكار الحرة في أقفاص الرقابة؟ كيف يُكبل الصوت الحر بقيود الخوف؟ كيف يُصادر الحق باسم القوة؟ نحن اليوم في سجن كبير، ولكننا نملك المفاتيح التي علمنا إياها الإمام موسى الكاظم. الإيمان بأن التغيير يبدأ من الداخل، وأن الظلم مهما بدا قويًا فهو هش أمام صبر الشعوب وإيمانها بقضيتها.
إن ذكرى استشهاد الإمام موسى الكاظم ليست مجرد حدث تأريخي، بل دعوة مفتوحة للتأمل في واقعنا. نحن بحاجة إلى أن نتعلم من صبره كيف نحول المحن إلى منارات، ومن آلامه كيف نخلق أملًا، ومن سجنه كيف نكسر القيود التي تُحاصرنا.
وهنا نتساءل: هل نحن على قدر رسالته؟ هل نتعلم من صموده كيف نحيا بكرامة؟ إن ذكراه ليست ذكرى موت، بل درس في الحياة. حياة الصبر، وحياة الإيمان، وحياة المقاومة. فلنبكِ اليوم ليس لأننا فقدناه، بل لأننا نحتاج إلى أن نحيا كما علّمنا.
