من مفكرتي الفنية
قحطان جاسم جواد
توفي الشاعر الرقيق كريم عودة العراقي في دولة الامارات العربية يوم الجمعة الاول من ايلول الجاري عام2023 عن عمر ناهز ال68 عاما, وبذلك انطوت صفحة اخرى من تاريخ الشعر الشعبي الذي كتبه العراقي النبيل. كريم لم يكن شاعرا فحسب بل كان انسانا نبيلا يتفجر عذوبة وحبا. كتب عن الحب والهيام ما لم يكتبه غيره. تعذب في سنواته الاربع الاخيرة بعد ان اصيب بالمرض اللعين وظل يباشر العلاج الكيماوي على امل ان يستعيد عافيته ويهرب منه,لكن القدر كان اقوى فأجهز عليه وصعدت روحه الى ربها.
فالف رحمة على روحه في كل يوم جمعة. عرفته بداية الثمانينات في مبنى الاذاعة والتلفزيون كان شابا خجولا لكنه متحمس جدا لشعره يكتب بلوعة وشغف عن الحب وكلماته تحمل هم الوطن والطفولة ولاننسى قصيدته تذكر التي تتحدث عنها وكم اثرت في الناس داخل العراق وخارجه.اول من ساعده على النشر ومواصلة الكتابة هو الدكتور رشيد الخيون حين كان صديقه في عام 1970 في ثانوية قتيبة وكان يعرض مايكتبه العراقي من شعر على الشاعر الكبير الراحلمجيد جاسم الخيون الذي كان في الشعر الشعبي يمثل منزلة كبيرة كما كان الجواهري في شعر الفصحى..ويتذكر الخيون ان العراقي قرأ في نادي التعارف للصابئة اول قصيدة امام رئيس النادي انذاك الشاعر عبدالرزاق عبد الواحد وكانت بعنوان بهيجة يقول مطلعها:-
بهيجة…يابهيجة خيطي ثوبي
كانت لي مواقف كثيرة مع الشاعر (ابا ضفاف) ابرزها المواقف التي كان بطلها الفنان الكبير كاظم الساهر.حيث كان العراقي يستضيفه في شقته الكائنة في مجمع 28 نيسان امام وزارة الثقافة تماما, وكان مكتبي في الوزارة بالطابق الخامس في مجلة الف باء,كان العراقي يتصل بي تلفونيا على هاتف الوزارة ويطلب مني الحضور لشقته عاجلا بدون ان يعرفبقية الزملاء في المجلة. فأذهب لكي ارى الساهر واحاوره بحضور العراقي, لان حضور الساهر الى الوزارة يحدثا ارباكا لشدة الزحام عليه من المعجبين والاصدقاء. في حين كنت التقيه على انفراد وكان اللقاء يتجدد مع كل سفرة للساهر الى خارج العراق ونتجت عن ذلك العديد من الحوارات الجميلة التي كانت الف باء تنفرد بها عن بقية المطبوعات.الموقف الاخر كان العراقي قد تعرف على فتاة لطيفة بغية الزواج منها, وقد دعمته وشجعته كثيراعلى ذلك الزواج, واذكر مرة استضفته في احدى حفلات عيدالمجلة في نادي المحامين, وجلس هو وصديقته معيانا وزوجتي على نفس الطاولة. كما كان العراقياحيانا يطلعني على جديده من القصائد قبل اذاعتها او غنائها من قبل الساهر او اي مطرب اخر, وكنت اشيد بما اسمعه منه من عذوبة الشعر الذي كان العراقي يجيده بطلاقة , كلماته بلسما شاف للعشاق,كما كانت قصائده رسائل للمحبين. وقد تلاقف المطربون كلماته وغنوها وهم كثر, لكن القيصر-الساهر- كان له حصة الاسد منها, وهو اكثر من غنى اشعاره منذ اللقاء الاول لهما في اغنية شجاها الناس في مسلسل نادية اخراج صلاح كرم,ثم تلتها الكثير والكثير من الاغاني والقصائد الجميلة ولاتشكو للناس جرحا انت صاحبه التي قدمت كتايتل لمسلسل المسافر وكذلك المستبدة والمحكمة وعيد وحب والاهم من كل تلك الاغاني اغنية (كثر الحديث عن التي اهواها) وهي تتحدث عن بغداد العظيمة ,وقدانتشرت الاغنية في العراق والوطن العربي وكأنها منشور سياسي تتداولها الناس. ثم جاءت بعدها قصيدة (تذكر) التي تتحدث عن مأساة العراق وغناها الساهر ايضا وحازت على جائزة من اليونسيف,باعتبارها افضل قصيدة ذات ابعاد انسانية.
مهما كتبنا وتذكرنا مواقف كريم العراقي لن نعطيه حقه وهو الذي وهب لنا اشعارا وقصائد ستخلده الى الابد لانه شاعر كتب للوطن وللحب. رحل الحبيب ابا ضفاف ولسان حاله يقول:-
ضاقت عليّ كأنها تابوت
لكنما يأبى الرجاء يموت
والصبر يعرف من أنا منذ الصبّا
وشمّ له في أضلعي منحوت
