عمّار الثويني _ كاتب واكاديمي عراقي
منذ أن وطأ الإنسان البسيطة وهو يسعى للخلود بعدما تيقن أن الحياة والموت حقيقتان لا فرار منهما. لم يدخر أية وسيلة للوصول إلى ذلك، فلجأ إلى السحر والشعوذة والعلم وحتى الأدب، وملحمة جلجامش خير شاهد على ذلك، ريثما تيقن أن كل مساعيه في الخلود مجرد سراب.
لذلك بقيت الحقيقتان، الحياة والموت، كحقيقة الوجود الإنساني ولا ينكرهما إلا مجنون، فتكيف معهما الإنسان على مر التاريخ وعايش وتعايش تحت هاجسهما. بيد أن التعامل مع هاتين الحقيقتين يتباين من مجتمع إلى آخر، وهو اختلاف تضرب جذوره في أعماق التاريخ والدين والفكر والإيمان والعقائد الخاصة بكل مجتمع.
المقولة العظيمة لسيد الحكماء والبلغاء الإمام علي (ع) “اعمل لديناك كأن تعيش أبدًا، وأعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا” هي خلاصة وجوهر ولب هذا الصراع والاختلاف الفكري الأبدي والأزلي بين هذين المعسكرين، وبالكاد نرى مجتمعًا زاوج بين هذين الاتجاهين.
إن مجتمع ثقافة الحياة مجتمع ديناميكي يضع الخطط ويرسمها وفق معايير عملية وعملية تأخذ في الاعتبار التوقعات والمفاجآت من أجل إرساء مستقبل واعد، انطلاقا من الحاضر، وقائمًا على تجارب الماضي وعبراته. وفي المقابل، فإن مجتمع ثقافة الموت ساكن وكسول وارتجالي متقوقع في الماضي ويأبى أن يغادره، ويعيش الحاضر كيفما اتفق، ويترك المستقبل للصدفة ليقرر له أنى يفعل.
مجتمع ثقافة الحياة ذو تفكير متسع يتقبل في العادة الرأي الآخر ويحترمه باعتبار الاختلاف ظاهرة صحية وحضارية وإنسانية، بينما مجتمع ثقافة الموت متعصب وضيق الأفق يرى في كل فكرة ورأي تخالفه تهديدًا لوجوده وربما بداية لانزياح القيود والأغلال التي يريد من أبنائه أن يرسفوا فيها.
مجتمع ثقافة الحياة يبدع ويبتكر وينتج ويطور لأن الابداع عصب الحياة والاقتصاد والتنمية ورقي الانسان وتوفير كل سبل الراحة والرفاه له، بينما مجتمع الموت يحارب ويقف بكل قوة ضد كل ألوان الابداع والابتكار والتطور ولا يدخر جهدًا في محاربتها بوسائل شتى.
مجتمع ثقافة الحياة يرى الحياة جميلة وأخاذة وكل ما فيها رائع. فهو لا يذخر جهدًا في الحفاظ على المقدرات الطبيعية والبيئية لهذا الكوكب وصونه للأجيال المقبلة ودق ناقوس الخطر لكل ما يهدد ألوان الحياة على هذه الأرض. لذلك نراه يبتكر في أشكال الطاقة النظيفة والمستدامة من أجل صحة ورفاه الإنسان لكيلا يكون عبئا على الطبيعة. في مجتمع ثقافة الموت يكون الإنسان عبئًا هائلًا على هذا الكوكب وأكبر مصدر يهدد المقدرات الطبيعية والبيئية والحياتية، فيستنزفها بصورة جائزة ودون مسؤولية للأجيال القادمة، ولا يبالي إن ارتفعت مستويات التلوث والأمراض الناجمة عن استخدامه الأخرق لما وهبه الله تعالى من مصادر لا تعوض.
في مجتمع الحياة، العمل عبادة، فيطوي الإنسان جل حياته في محراب عمله في حال من الإخلاص والتفاني من أجل نفسه ومن أجل غيره. لذلك فالعمل أولى أوليات الإنسان ولكل ساعة ودقيقة من يومه أهمية لا تقدر بثمن، لأن الوقت كالسيف، والساعة التي تنطوي دون إنجاز تمثل خسارة لا تعوض في عمر الإنسان المحدود. وفي مجتمع الموت العمل أمر لا بد منه من أجل الحصول على الراتب والمنزلة الاجتماعية وكسر الروتين اليومي وقضاء ساعات اليوم بأي شيء يسد ذلك الفراغ المسمى عملًا.
مجتمع الحياة ينتج أكثر مما يستهلك، ويزرع أكثر مما يأكل، ويعمل أكثر مما يتكلم، ويفكر أكثر مما يرتجل، لذلك يشكل رقمًا صعبًا في هذا الكون باعتباره عصب الحياة، والاقتصاد، والتطور، والرقي. مجتمع الموت يستهلك أزيد مما ينتج، ويأكل أكثر مما يستهلك، ويقّمم أضعاف ما يحتاجه، ويتكلم أكثر مما يعمل، ويرتجل وقلما يفكر. لذلك فهو يشكل أيضًا رقمًا مهمًا في عصب الحياة والاقتصاد لأنهالمستهلك والمشتري لكل نتاجات الآخرين ليس إلا.
مجتمع الحياة منفتح ومتعدد ومتنوع، يعشق الأدب والرسم والموسيقى والفن والشعر والسرد والسينما لأنها قريبة من روح الإنسان ووجدانه ومشاعره، فهي تمنحه جرعات من البهاء والجمال بعيدًا عن هذه الحياة الرتيبة. مجتمع الموت يحاربها بشتى الوسائل ويرى فيها فنونًا دخيلة وغريبة ولا ينظر كونها غذاءً وروحيًّا للإنسان، أو على الأرجح هو يعلم تمامًا ما لها من أهمية في حياة الإنسان الجامدة الرتيبة، لذا، يقف ضدها بقوة.
مجتمع الحياة يسابق الزمن لكي يبتكر في أي حقل من حقول العلم والمعرفة دون تمييز ودون أن يذكرنا أو يعيّرنا في كل ساعة ويوم بأنه من صنع هذا وابتكر ذلك وأنه صاحب فضل عليه لأنه أول من اكتشف أو اخترع ذلك المنتج. مجتمع الموت لا يتجدد أو يتبدل، ويتفاخر بماضيه لتغطية فشله وتخلفه في الحاضر بعدما وجد ألا شيء يعوض شعوره بوجوده العبثي سواء التشبث بالماضي والتفاخر بإنجازات ليست من صنعه.
مجتمع الحياة يعيش فيه الإنسان نمطًا متزنًا ومستقرًا ما بين العمل والأسرة والمجتمع، فيريد الاستمتاع بحياته القصيرة بأقصى درجاتها دون هاجس الموت حتى مع كونه حقيقة محتومة. مجتمع الموت، الزاهد بالحياة كما يتظاهر، يعيش قلقًا وجوديًّا وهاجسا أبديّا وحالة لا مستقرة، فهو يعيش الموت وهو حي، أو بالأحرى أقرب للموت منه إلى الحياة.
مجتمع الحياة هو الأقرب لنموذج من يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدًا لأن الإنجاز والابتكار هو ما يخلده أبد الدهر، ولا يبالي بالموت مادام يترك وراءه السيرة العطرة والعمل الصالح. مجتمع الموت يريد أن يعيش أبدًا حياة القلق دون عمل أو وإنجاز، ويستبعد الموت ويخشاه بشدة مع أنه يعيشه في كل لحظة من لحظات حياته.
