الفنان التشكيلي نجم القيسي – نصب شهداء الأهوار بين رمزية التضحية وإشكالية التجسيد

رحيم يوسف / بغداد

لعل مفهوم الشهادة هو من أكثر المفاهيم إثارةً للجدل، بالنظر إلى ما يرتبط به من مواقف وطنية وعقائدية، وما تفرضه الاعتقادات والاجتهادات الشخصية من اختلاف في تحديد معناه وحدوده. ومع ذلك، تظل التضحية بالنفس من أجل قضية يؤمن بها الإنسان موقفاً أخلاقياً وإنسانياً بالغ الدلالة، ولا سيما حين تتخذ هذه التضحية موقفاً في مواجهة الظلم والاستبداد، دفاعاً عن الحياة والكرامة والحرية. وكما يقول الشاعر: «الجود بالنفس أقصى غاية الجود».

وقد سعت الشعوب، عبر تاريخها، إلى تخليد ضحايا الحروب والصراعات من خلال النصب التذكارية التي تحوّل الفقد إلى علامة مادية تستبقي الذاكرة في الفضاء العام. وفي العراق، يحتل نصب الشهيد، الذي أنجزه الفنان الراحل إسماعيل فتاح الترك، مكانة بارزة في تاريخ النحت العراقي الحديث، لما ينطوي عليه من قيم فنية ورمزية ومعمارية، ولقدرته على تحويل فكرة التضحية إلى بناء بصري يتجاوز حدود التمثيل المباشر.

غير أن الذاكرة العراقية لا تختزلها الحروب التقليدية وحدها؛ فهناك مآسٍ ارتبطت بأمكنة وجماعات عاشت القهر والتهميش، وكان الإنسان فيها جزءاً من بيئة مهددة في وجودها وهويتها. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية نصب شهداء الأهوار، الذي صممه ونفذه الفنان التشكيلي نجم القيسي، وأُقيم في منطقة الجبايش بمحافظة ذي قار، في جنوب العراق، ضمن المجال الجغرافي للأهوار. فهذا النصب لا يستدعي معنى الشهادة في إطارها العام فحسب، بل يفتح المجال لقراءة تتصل بذاكرة المكان وأهله، وبالعلاقة بين الإنسان والبيئة التي تشكل جزءاً من هويته.

ابتداءً، اعتمد القيسي قانوناً فيزيائياً يقوم على الفعل ورد الفعل، وهو ما يظهر في الكتلة الموجودة أسفل التكوين؛ إذ يحاكي من خلالها عملية إلقاء حجر في ماء راكد، وما ينتج عن ذلك من أمواج متتابعة. وهذه الأمواج تتمثل في الدرجات الدائرية التي تشكل قاعدة النصب، فيما يمثل الحجر فعل الشهادة، لتنمو من حوله النباتات وتتجه نحو الأعلى. وبذلك، لا يكون فعل الشهادة موتاً فحسب، بل عملية خلق لحياة أخرى، تؤكد أن تلك التضحية لم تذهب سدى.

ومن الواضح أن نصب شهداء الأهوار يمثل محاولة لتجسيد فكرة الشهادة عبر بناء نحتي يقوم على التداخل بين الجسد والطبيعة، وبين الثقل المادي والحركة الصاعدة. غير أن القراءة البصرية لا تتوقف عند عنوان النصب أو وظيفته التذكارية، بل تتجه إلى الكيفية التي تحولت بها فكرة التضحية إلى صياغة تشكيلية، وإلى مدى قدرة هذه الصياغة على إنتاج خطاب بصري يتجاوز المباشرة الرمزية.

تتمركز الكتلة النحتية في قلب التكوين، وتبدو مؤلفة من أجزاء عضوية متشابكة، تتداخل فيها انحناءات توحي بالأجساد مع أشكال نباتية أو جذوع متصاعدة. ولا تمنح هذه الكتلة المتلقي هيئة إنسانية مكتملة وواضحة، بقدر ما تضعه أمام بنية ملتبسة تتداخل فيها العناصر وتتزاحم، كأنها تبحث عن شكل يستوعب ما تعرضت له الحياة من عنف وتفكك.

ويمكن قراءة هذا التداخل باعتباره تعبيراً عن جسد أصابه العنف، أو عن حياة تحاول التشبث بالبقاء وسط قوى تسعى إلى تفكيكها. فالأشكال المنحنية والمتشابكة لا تستقر في هيئة ساكنة، بل توحي بحركة داخلية تجعل الكتلة أقرب إلى صراع لم تنتهِ آثاره. ومن هنا تنشأ مفارقة دلالية لافتة: غياب الجسد في حضوره المادي يقابله استمرار أثره في الذاكرة، بحيث لا يعود الغياب نهايةً مطلقة، بل يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل المعنى.

لكن كثافة الأشكال وتداخلها يفتحان المجال أمام تأويلات متعددة، ولا يقودان المتلقي بالضرورة إلى معنى الشهادة من دون الاستعانة بعنوان النصب وسياقه التاريخي. وهنا تبرز إشكالية العلاقة بين الرمز والتكوين؛ فهل تستطيع الكتلة أن تنتج دلالتها من داخل علاقاتها البصرية، أم أن المعنى يظل معتمداً على المعرفة المسبقة بالموضوع الذي أُنجز النصب لتخليده؟

لا يعني ذلك أن التكوين مطالب بتقديم دلالة واحدة أو مباشرة، فالغموض قد يكون جزءاً من طاقته التعبيرية، لكنه يحتاج إلى علاقات شكلية متماسكة تمنح التأويل أساساً بصرياً. وتكمن المسألة في قدرة العناصر على بناء معنى محسوس، لا في مجرد تعدد الاحتمالات التي يمكن إسنادها إليها.

تتجه العناصر الطويلة والرفيعة إلى الأعلى، في حركة عمودية تتعارض مع الانحناءات والتشابكات التي تميز الجزء السفلي. ويبدو هذا الصعود محاولةً لتجاوز الثقل الأرضي، والانتقال من مستوى الجسد المادي إلى أفق رمزي يتصل بالبقاء والخلود والذاكرة.

غير أن الحركة لا تنشأ من انسيابية واضحة لجسد واحد متماسك، بل من تجمع أجزاء متعددة تتجاور وتتداخل في اتجاه الصعود. ويمكن قراءة ذلك بوصفه استعارة للجماعة التي تتشكل من أفراد، أو للذاكرة التي تتراكم من مصائر مختلفة، لتنتج معنى يتجاوز حدود التجربة الفردية.

إن التوتر بين الكتلة السفلى الثقيلة والعناصر الصاعدة يمنح التكوين بعداً تعبيرياً، لكنه يطرح، في الوقت نفسه، مسألة التوازن البصري. فالعناصر العمودية تفرض حضورها في المجال المكاني، فيما تبدو الكتلة السفلى أكثر ازدحاماً وتعقيداً. ومن ثم تصبح العلاقة بين الثقل والارتفاع إحدى المسائل الأساسية في قراءة النصب، لا من حيث توزيع الكتل وحده، بل من حيث قدرة هذا التوزيع على تحويل الصراع إلى قيمة تشكيلية.

وإذا كانت الحركة الصاعدة توحي بالتجاوز، فإنها لا تمحو الثقل الذي تنطلق منه؛ فالجسد يظل مرتبطاً بالأرض حتى وهو يتجه إلى الأعلى. وهذه المفارقة تمنح التكوين إمكانية التعبير عن الشهادة باعتبارها انتقالاً في الذاكرة، لا إلغاءً للموت أو لمأساة الفقد.

يشكل القوس الكبير المحيط بالنصب عنصراً أساسياً في بنائه البصري؛ فهو لا يحدد حدود الكتلة المركزية فحسب، بل ينشئ فضاءً داخل الفضاء، ويضع المنحوتة في إطار معماري واضح. وبسبب امتداده وارتفاعه وانحنائه، يتحول القوس إلى علامة بصرية تنافس التكوين الداخلي على جذب الانتباه.

والقوس هنا يمثل استعارة مستمدة من واقع بيئة الأهوار، فهو مأخوذ من شكل «الشبّة» التي تُبنى من القصب والبردي، والتي تشكل، مع مثيلاتها، البنية الأساسية لبيوت ومضايف سكان الأهوار. كما يمكننا قراءة هذا العنصر باعتباره احتضاناً رمزياً للشهادة، أو إطاراً يستوعب الذاكرة ويمنحها حضوراً مكانياً. وفي مقابل انحنائه الذي يرسم حدوداً حول الكتلة، تتجه العناصر النحتية في المركز نحو الأعلى، فتتشكل علاقة بين حركة احتوائية وأخرى عمودية تسعى إلى تجاوز حدودها.

لكن الحضور القوي للقوس يثير سؤالاً يتعلق بمدى انسجامه مع المنحوتة المركزية. هل يعمل بوصفه عنصراً مكملاً لها، أم يتحول إلى إطار معماري يحد من استقلالها البصري؟ فمن خلال التكوين العام، يبدو القوس أكثر وضوحاً في قراءته الشكلية من التفاصيل المتشابكة في الداخل، الأمر الذي يجعل نجاح العلاقة بينهما مرتبطاً بقدرة التكوين على الظهور وحدةً متكاملة، لا مجموعة عناصر منفصلة تتنافس على مركز النظر.

ولا تتحدد قيمة القوس بحجمه أو بقدرته على احتواء الكتلة فحسب، بل بما يضيفه إلى دلالتها. فإذا كان حضوره يربط العناصر المتعددة في بناء واحد، فإنه يعزز وحدة النصب؛ أما إذا طغى على التكوين الداخلي، فقد تصبح العلاقة بين العمارة والنحت أقرب إلى التجاور منها إلى التفاعل العضوي.

تؤدي البيئة المحيطة دوراً مهماً في قراءة النصب. فالقاعدة المدرجة والمساحة المفتوحة والعناصر المعمارية في الخلفية تجعل التكوين جزءاً من فضاء عام، لا منحوتة معزولة عن محيطها. ومن خلال هذا الارتباط، ينتقل معنى الشهادة من التجربة الفردية إلى الذاكرة الجماعية، ويصبح النصب علامة مكانية تستدعي التذكر والتأمل.

وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة حين يتعلق الأمر بشهداء الأهوار؛ فالمكان هنا ليس خلفية جغرافية محايدة، بل جزء من الحكاية التي يستحضرها النصب. إن الأهوار، بما تمثله من بيئة طبيعية وتاريخ اجتماعي وثقافي، تمنح الذاكرة التي يستدعيها التكوين خصوصيتها. ومن ثم، فإن قراءة النصب لا تكتمل بالنظر إلى عناصره النحتية والمعمارية وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى استحضار العلاقة بين الإنسان والأرض، وبين الفقد الذي يصيب الجماعة والمكان الذي يحتفظ بأثره.

ومن منظور ظاهراتي قريب من فلسفة موريس ميرلو-بونتي، لا يتحقق إدراك النصب من خلال النظر إلى تفاصيله منفردة فحسب، بل عبر تجربة جسدية يعيشها المتلقي في المكان. فهو يرفع بصره نحو العناصر الصاعدة، ويتابع انحناءة القوس، ثم يعود إلى الكتلة المتشابكة في المركز. وتشارك هذه الحركة في بناء المعنى، لتجعل إدراك النصب تجربة مكانية وزمنية، لا مجرد مشاهدة لهيئة ثابتة.

فالمتلقي لا يقف خارج التكوين تماماً، بل يدخل في علاقة معه من خلال موقعه وحركة نظره والمسافة التي تفصله عنه. وبهذا المعنى، لا تكون الذاكرة فكرة مجردة يجسدها النصب، وإنما تجربة يعاد إنتاجها عبر التفاعل بين الكتلة والفضاء والجسد المشاهد.

تكمن أهمية نصب شهداء الأهوار في محاولته الجمع بين ثلاثة مستويات مترابطة: الجسد بوصفه أثراً للتضحية، والحركة العمودية بوصفها إيحاءً بالتجاوز، والقوس بوصفه إطاراً مكانياً يستوعب الذاكرة. وتمنح هذه المستويات التكوين إمكانات تأويلية تتجاوز المعنى التذكاري المباشر، وتفتح المجال أمام قراءة تتصل بالغياب واستمرار الأثر، وبالعلاقة بين الفرد والجماعة.

واخيرا اعتقد جازما بان هذا النصب قد تعرض للظلم كثيرا اعلاميا ونقديا ، ولعل السبب هو مكان اقامته الذي يمثل واقع حال ، مما عرضه للنسيان نوعا ما .


مشاركة المقال :