هاري كين المزور

مصطفى طه الياسري

قبل أيام قليلة توج النجم الإنكليزي هاري كين بالكرة الذهبية بعد موسم استثنائي قدم فيه الكثير من الأهداف والإنجازات ليقف اليوم على قمة المجد الكروي العالمي ويصبح اسمه حديث الجماهير ووسائل الإعلام

وفي العراق هناك حكاية أخرى تستحق أن نتوقف عندها طويلا حكاية منتخب الشباب العراقي الذي صنع الفرحة والأمل عام 2013 والذي كان يضم مجموعة من اللاعبين الذين حلمنا بأن يكونوا أعمدة المستقبل للكرة العراقية لكن أين هم اليوم لقد اعتزل الكثير منهم واتجه بعضهم إلى التحليل الإعلامي ولم يبق في الملاعب من ذلك الجيل إلا القليل

وهنا يطرح السؤال نفسه هل هاري كين مزور

بالطبع ليس المقصود اتهام هاري كين بالتزوير أو التقليل من قيمة ما حققه فالرجل وصل إلى ما وصل إليه بفضل العمل والتدريب والمنافسة والتطور المستمر لكن السؤال الحقيقي الذي نريد طرحه هو لماذا يتطور اللاعب في أوروبا حتى يصبح نجما عالميا بينما تضيع مواهب كثيرة في العراق بعد سنوات قليلة من ظهورها

كيف يستطيع لاعب مثل هاري كين أن يحافظ على مستواه ويواصل صناعة الإنجازات بينما يعجز كثير من لاعبينا عن الاستمرار في الملاعب وكيف تتحول مواهب الشباب عندنا إلى ذكريات وصور قديمة ومقابلات تلفزيونية تستعيد أمجاد الماضي

إن المشكلة في الكرة العراقية أعمق من خسارة مباراة أو إخفاق منتخب في بطولة إنها مشكلة منظومة تحتاج إلى مراجعة حقيقية تبدأ من اكتشاف المواهب ولا تنتهي عند إعداد اللاعب بدنيا وفنيا ونفسيا

نحن بحاجة إلى دوري قوي ومدربين يمتلكون العلم والخبرة وإدارات تضع مصلحة اللاعب فوق المصالح الشخصية ومؤسسات تتابع المواهب وتحميها من الضياع وتمنحها الفرصة للتطور والاستمرار

والأخطر من ذلك أن التزوير في أعمار اللاعبين إذا ثبت في أي حالة يمثل آفة خطيرة تأكل من مستقبل الكرة العراقية لأنه يسلب اللاعب الحقيقي فرصته ويمنح النجاح الوهمي مكان النجاح المستحق ويجعلنا نفرح بنتائج مؤقتة على حساب بناء أجيال قادرة على المنافسة

لقد دفعنا الكثير من ثمن هذه الآفة ومن غياب التخطيط وضعف الاهتمام بالمراحل العمرية فكم من لاعب شاب ظهر نجما ثم اختفى وكم من منتخب حقق إنجازا ثم لم نجد أثره واضحا في المنتخب الأول

لسنا بحاجة إلى صناعة أبطال لبطولة واحدة ثم نتركهم يواجهون مصيرهم وحدهم نحن بحاجة إلى مشروع كروي يصنع لاعبا يستمر سنوات طويلة ويمنح العراق حضورا حقيقيا في الملاعب

هاري كين ليس هو المشكلة ولا الكرة الذهبية هي المشكلة المشكلة أن نرى العالم يتقدم ونحن ما زلنا نبحث عن أسباب ضياع مواهبنا

فمتى نتعلم أن بناء اللاعب أهم من صناعة الضجة حوله وأن النزاهة أهم من الفوز المؤقت وأن مستقبل الكرة العراقية لا يصنعه التزوير ولا الشعارات وإنما تصنعه الإدارة الصحيحة والتدريب العلمي والفرص العادلة

هاري كين مزور عنوان يحمل سخرية مرة من واقعنا الكروي وليس اتهاما للاعب الإنكليزي فالتزوير الحقيقي هو أن نزيف الحقائق عن أنفسنا ونكرر الأخطاء ذاتها ثم ننتظر نتائج مختلفة

إن الكرة العراقية لا ينقصها الشغف ولا الجمهور ولا التاريخ الذي نفخر به وإنما ينقصها مشروع يحفظ المواهب من الضياع ويحول إنجازات الشباب إلى نجاحات مستمرة في الملاعب الكبيرة


مشاركة المقال :