الفنان التشكيلي عبد الرزاق ياسر- المدينة بين الذاكرة والفوضى البصرية

رحيم يوسف / بغداد

ثمة فنانون لا يمكن وصفهم إلا بأنهم سليلُو الحزن والوجع الجنوبي؛ ذلك الوجع الذي تختزن تضاريسه أنين القصب والبردي، وتنبض في أعماقه أرواح الحضارات التي تجذّرت في تلك الأنحا، وظلت موشومة بالألم عبر الأزمنة. هؤلا الفنانون لا يستعيرون وجع الجنوب من ذاكرته فحسب، بل يحملونه في أعماقهم، ويعيدون تجسيده تشكيليا،ً حتى يصبح اللون والخط والتكوين شهادة بصرية على حزن لا ينطفئ وذاكرة لا تكف عن استعادة ما تركته السنوات من آثار.

ولأن الحزن ملازم للمكان، يستعيد هؤلا الفنانون الأمكنة كما اختزنتها الذاكرة، وكما أعادت التحولات القسرية تشكيل ملامحها. إنهم يدونون تاريخ المدن وحواضرها، لا عبر تسجيل مظاهرها الخارجية وحدها، بل من خلال استحضار ما تراكم فيها من أحداث وتجارب إنسانية. وهكذا يتداخل الماضي بالحاضر، ويتصلان بمستقبل تظل ملامحه مفتوحة على احتمالات الخراب والتغيير، ضمن زمن متصل تتوارث حلقاته آثار الألم والذاكرة. ومن هذا المدخل يمكننا الاقتراب من تجربة الفنان التشكيلي عبد الرزاق ياسر، الذي تتجاور في سطوحه المدينة وذاكرتها، والحياة اليومية بتفاصيلها المتشابكة، والفوضى البصرية بما تنطوي عليه من طاقة تعبيرية وأسئلة جمالية.

وُلد عبد الرزاق ياسر عام 1947 في مدينة أور (الناصرية)، وتخرج في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، قسم الرسم، عام ،1972 ثم نال شهادة اختصاص في تصميم الديكور التلفزيوني من ألمانيا الديمقراطية عام ،1977 وحصل على الماجستير من جامعة هارتفورد في الولايات المتحدة الأمريكية عام .1983

توزعت تجربته المهنية بين الرسم والتصميم والديكور والعمل الأكاديمي؛ فعمل رساماً في جريدة الجمهورية ومصلحة السينما والمسرح، ثم مصمماً للديكور في تلفزيون العراق، قبل أن يتجه إلى التدريس في عدد من الجامعات العراقية والعربية، منها جامعة بغداد وجامعة عمر المختار في ليبيا وجامعة ذمار في اليمن وجامعة صلاح الدين في أربيل، واستمر في عمله الأكاديمي حتى عام .2013 كما أنجز أعمالاً في الديكور المسرحي والتلفزيوني، وتصميم أغلفة الكتب، والنحت.

أقام ثمانية معارض شخصية في العراق والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة والأردن وبلغاريا، وشارك في معارض فنية محلية ودولية، من أبرزها معارض الفن العراقي المعاصر في باريس وموسكو ولندن عام ،1977 فضلاً عن مشاركاته في مهرجاني بابل والواسطي. واقتنى البرلمان الروسي إحدى لوحاته، كما شارك عام 2002 في مسابقة تصميم نصب تذكاري لبرجي التجارة العالمي في نيويورك، وحُفظ تصميمه في بلدية المدينة. وتوجد أعماله ضمن مقتنيات فنية في عدد من البلدان العربية والأجنبية.

تكشف سطوحه التصويرية عن تجربة تنشغل باستعادة المدينة، لا باعتبارها فضاً عمرانياً محدداً فحسب، بل باعتبارها حياة متراكمة من التفاصيل والعلاقات والأحداث والرموز. نحن أمام عالم بصري تتداخل فيه العمارة مع الإنسان، والطبيعة مع الأشيا المصنوعة، والذاكرة الفردية مع الذاكرة الجمعية، حتى يصعب الفصل بين مظاهر الواقع وما تستدعيه من آثار نفسية وثقافية.

فالمدينة هنا ليست مشهداً ساكناً يمكن اختزاله في مجموعة من الأبنية والشوارع والشخصيات، بل فضا تتراكم فيه الأزمنة وتتقاطع داخله أشكال الحياة اليومية. ولا تقدم العناصر المتجاورة والمتشابكة وصفاً مباشراً للمكان بقدر ما تكشف عن صورته في الذاكرة، حيث تتداخل المشاهد وتتزاحم التفاصيل، وتتراجع الحدود الفاصلة بين الأشيا لمصلحة علاقات بصرية أكثر انفتاحا.ً

أبرز ما يلفت النظر هو غياب الفراغ المحايد تقريباً؛ إذ تمتلئ المساحات بعناصر متراكبة، وتتقاطع الأشكال، فيما تتوزع الكتل اللونية بين الأزرق والأخضر والأحمر والأصفر. وتظهر العمارة والقوارب والأشخاص والأشجار ضمن نسيج لا يستقر على مركز واحد، الأمر الذي يدفع العين إلى الانتقال بين أجزا السطح بحثاً عن علاقات تجمع هذه المفردات وتمنحها معنى مشتركا.ً

ولا يمكن اختزال هذا التراكم في الرغبة بمل المساحة، بل يمكن قراته باعتباره محاولة لاستعادة مدينة لا تعيش في الحاضر وحده، وإنما تحمل طبقات متداخلة من الأزمنة والتجارب. فالذاكرة لا تستعيد المكان دائماً وفق ترتيب واضح، بل تجمع شذراته وتعيد تركيبها، بحيث يتجاور المألوف والغريب، ويتداخل الماضي مع التحولات التي يفرضها الحاضر. ومن هنا تكتسب كثافة العناصر دلالتها؛ فهي لا تمنح المشهد ثراً بصرياً فحسب، بل تفتح أمام المتلقي احتمالات متعددة للقراة والتأويل.

ويمكن مقاربة هذه التجربة في ضو فلسفة موريس ميرلو-بونتي، الذي ينظر إلى الإدراك باعتباره علاقة حية بين الجسد والعالم، لا مجرد استقبال بصري منفصل عن التجربة الإنسانية. فالمدينة لا تُدرك من خلال أشكالها الخارجية وحدها، وإنما عبر الخبرات الحسية والحركية التي نعيشها فيها، وما يرتبط بها من مشاعر وذكريات. ولهذا لا نتلقى هذه السطوح باعتبارها مجموعة من المباني والأشخاص والأشيا المحددة، بل نختبرها من خلال الحركة والتداخل والإيقاع والتجاور.

لا تستقر العين طويلاً عند عنصر منفرد، بل تنتقل من تفصيل إلى آخر، وتعيد بنا المشهد باستمرار. وهكذا تتحول المشاهدة إلى تجربة زمنية؛ فالسطح لا يكشف عن جميع علاقاته دفعة واحدة، وإنما يتطلب تجوالاً بصرياً يسمح باكتشاف تفاصيله وتكويناته المتشابكة. وخلال هذا الانتقال تتداخل الرؤية مع الذاكرة، إذ تستدعي الألوان والأسواق والعمارة المتقاربة أجوا مدن مألوفة، حتى عندما يتعذر تحديد المكان أو تسميته.

ولا تظهر الذاكرة في هيئة حكاية مكتملة أو استعادة حرفية لمشهد سابق، بل تتجلى عبر ما تختزنه التجربة الإنسانية من إيقاعات وأحاسيس وعلامات مرتبطة بالأمكنة. فقد يستدعي السطح حركة سوق قديم، أو ازدحام شارع، أو تداخل البيوت والممرات، من دون تقديم هذه العناصر في صيغة توثيقية مباشرة. وبذلك يتجاوز التشكيل حدود تمثيل الواقع إلى إعادة بنائه وفق الآثار التي تركتها التجربة في الوعي.

أما اللون، فيؤدي دوراً بنائياً يتجاوز الوظيفة الوصفية. فالأحمر والبرتقالي يضفيان على بعض المناطق إحساساً بالحركة والاحتدام، فيما تمنح درجات الأزرق والأخضر امتدادات بصرية تتراوح بين الهدو والتوتر. وتساعد التباينات اللونية على إبراز العناصر المتجاورة، لكنها تسهم أيضاً في تفكيك وحدة المشهد التقليدية؛ إذ لا يتأسس العمق على المنظور وحده، بل يتشكل من تقاطع المساحات وتفاوت كثافتها وتداخل مستوياتها.

ومن هنا لا تبقى العلاقة بين المقدمة والعمق ثابتة؛ فبعض العناصر تتقدم إلى الواجهة، بينما تتراجع أخرى من دون أن تفقد حضورها. وتبدو المساحة متعددة المراكز، وكأنها ترفض إخضاع المدينة إلى نقطة نظر واحدة. وهذا الاختيار ينسجم مع طبيعة المشهد الحضري الذي يصعب الإحاطة به من موقع ثابت، لأن الحياة فيه تتوزع على مسارات واتجاهات متباينة، وتتغير صورتها بتغير موقع الناظر وعلاقته بالمكان.

وعلى الرغم من حضور العمارة والأشيا والعناصر الطبيعية، يظل الإنسان جزاً أساسياً من هذا العالم. لكنه لا يحتل دائماً مركزاً واضحا،ً بل يتداخل مع محيطه، ويظهر أحياناً صغيراً قياساً إلى الأبنية والأشكال المحيطة به. ويمكن قراة هذا الحضور باعتباره إشارة إلى علاقة الإنسان بالمدينة فالهوية الإنسانية لا تنفصل عن المكان الذي تتكون فيه، ولا عن العلاقات الاجتماعية والثقافية التي تمنحه معناه. ومن هذا المنطلق، لا تبدو الشخصيات عناصر تكميلية داخل المشهد، بل أجزا من نسيج الحياة المدينية، تتحدد دلالتها من خلال علاقتها بالأبنية والأشيا والحركة المحيطة بها. المدينة ليست خلفية للإنسان، وإنما فضا يشارك في تشكيل تجربته وذاكرته وإحساسه بالانتما.

غير أن كثافة العناصر تطرح سؤالاً جمالياً يتعلق بالعلاقة بين الثرا البصري والفوضى التكوينية. فالخطوط المتقاطعة والتفاصيل المتراكمة تمنح السطوح إحساساً بالحيوية والعفوية، وكأن المشهد يتشكل أمام العين في حركة مستمرة. لكن هذه العفوية الظاهرة لا تعني بالضرورة غياب التنظيم؛ إذ تستند التكوينات إلى توزيع الكتل اللونية، وتكرار الأشكال، وتداخل الخطوط، وتوجيه النظر عبر مسارات متعددة.

ومع ذلك، تبدو بعض المناطق شديدة الاكتظاظ، بحيث تتنافس العناصر على جذب الانتباه ولا تمنح العين فرصة كافية للاستقرار. وهنا ينبغي التمييز بين الفوضى باعتبارها موضوعاً تعبيريا،ً والفوضى التي قد تنتج عن ضعف العلاقات التكوينية. ففي الحالة الأولى يصبح الازدحام وسيلة للكشف عن طبيعة المدينة وتناقضاتها، أما في الثانية فقد يتحول إلى عب بصري يضعف التمييز بين العناصر الأساسية والتفاصيل الثانوية.

لذلك لا يتمثل السؤال النقدي في مقدار ازدحام السطح، بل في الكيفية التي يتحول بها هذا الازدحام إلى معنى. هل تنجح العلاقات اللونية والخطية في ضبط كثافة العناصر؟ وهل يتيح التكوين للمتلقي اكتشاف نظام داخلي يربط التفاصيل المتناثرة؟ أم تظل بعض المفردات متنافسة من دون أن تبلغ درجة كافية من الانسجام؟ إن هذه الأسئلة لا تنتقص من الطاقة التعبيرية للتجربة، بل تحدد المجال الذي يمكن من خلاله تقويم نجاحها في تحقيق التوازن بين حرية التفاصيل ووحدة البنا.

وتتضح هذه الإشكالية بصورة خاصة في السطح الذي تتزاحم فيه الشخصيات والحيوانات والمركبات والأشجار والنخيل والأشكال المعمارية. فمن النظرة الأولى، يبدو الفضا كأنه ساحة تتصارع داخلها الأشيا والحوادث، فلا تكاد العين تستقر على مركز محدد حتى تجذبها تفاصيل أخرى إلى اتجاه مختلف. لكن ما يثير الانتباه ليس عدد العناصر وحده، بل الطريقة التي تتوزع بها، والعلاقات التي تنشأ بينها، وقدرة المتلقي على الانتقال من جز إلى آخر من دون أن يفقد إحساسه بوحدة المشهد.

أول ما يستوقفنا أن الفوضى هنا ليست غياباً للعناصر، بل فائضاً في حضورها. فكل جز يكاد يطالب بحق مستقل في الظهور؛ الشخصيات لا تكتفي بأدا دور ثانوي، والمركبات لا تقتصر على توفير خلفية للحركة، والنخيل لا يؤدي وظيفة زخرفية أو بيئية فحسب، بل يشارك في بنا المجال البصري. وهكذا يتحول السطح إلى مساحة تتنافس فيها المفردات على انتباه المتلقي، حتى تصبح عملية النظر انتقالاً متواصلاً بين مراكز بصرية متعددة.

ومع ذلك، لا يخلو هذا التزاحم من تنظيم. فثمة خطوط أفقية تفصل نسبياً بين مناطق التكوين، ولا سيما امتداد النخيل الذي يشكل شريطاً بصرياً واسعاً في الجز الأوسط، بينما تتراكم الأشكال والشخصيات في الأسفل، وتزداد الكثافة اللونية والتفصيلية في الجز العلوي. ويمنح هذا التوزيع المشهد قدراً من التماسك العام، حتى مع تعدد اتجاهات الحركة ونقاط الجذب. لكن هذا التماسك لا ينهي الازدحام، بل يوفر الإطار الذي يسمح باستمراره.

فالنخيل، بامتداده الأفقي، لا يفصل بين عالمين منفصلين بقدر ما يربط بينهما، فيما تنشئ الألوان الحارة، وخصوصاً البرتقالي والأحمر، منطقة توتر بصري بين كثافة الجز العلوي وازدحام الجز السفلي. وفي المقابل، تتوزع درجات الأزرق والبنفسجي والأخضر، فتمنح المشهد تنوعاً لونياً يمنع الكتلة العامة من الانغلاق على نبرة واحدة.

ومن الناحية التعبيرية، يمكن قراة هذا الحشد باعتباره استعادة لعالم لا يستقر على هيئة واحدة. فالحياة لا تظهر هنا في مشهد هادئ يمكن الإحاطة به دفعة واحدة، بل في تجمع لمظاهر متعددة من الوجود الإنساني، تشمل الحركة والعمل والاحتفال والتجمع والتداخل. وتبدو الشخصيات كأنها تنتمي إلى زمن جماعي تتجاور فيه الأحداث من دون أن تخضع جميعها لحكاية واحدة واضحة.

وهنا تبرز الذاكرة بوصفها عنصراً أساسياً في فهم التكوين. فعندما تتراكم المفردات بهذه الكثافة، لا يشترط أن ترتبط كل واحدة منها مباشرة بما يجاورها، لأن العلاقة بينها قد تنشأ من فعل التذكر نفسه. فالذاكرة لا تستعيد الماضي وفق ترتيب زمني محكم؛ إنها تستدعي مشاهد متباعدة، وتضعها جنباً إلى جنب، وتسمح للتفاصيل بأن تتداخل وتتراكب. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى السطح باعتباره فضاً لذاكرة جمعية، لا لأنه يوثق حادثة تاريخية محددة بالضرورة، بل لأنه يستحضر عالماً مأهولاً بالناس والأشيا والحركات والعلامات المتراكمة.

وهذا يقودنا إلى سؤال آخر: هل تنجح هذه الكثافة في التحول إلى نظام تشكيلي مستقل، أم تظل أقرب إلى تراكم التفاصيل؟ في بعض المناطق، تمنح العلاقات اللونية والخطوط المتكررة والعناصر المتجاورة المشهد طاقة بنائية واضحة؛ فالتكرار لا يقتصر على الزخرفة، بل يسهم في إنتاج الإيقاع، كما أن اختلاف الأحجام وتعدد الاتجاهات يمنعان العين من الوقوع في رتابة التوزيع. غير أن مناطق أخرى تبدو محمّلة بتفاصيل متقاربة في قوتها البصرية، الأمر الذي قد يحد من قدرة العناصر الأساسية على فرض حضورها.

وهنا ينبغي التمييز مرة أخرى بين الفوضى باعتبارها موضوعاً تعبيريا،ً والفوضى باعتبارها مشكلة في البنا. ففي الحالة الأولى تكون كثافة العناصر وسيلة لنقل تجربة لا يمكن اختزالها في مشهد مستقر. أما في الثانية، فقد يؤدي التراكم إلى إضعاف الفروق بين المفردات، بحيث تتراجع أهمية التكوين لمصلحة الحشد وحده. والسطح الذي نتأمله يفتح المجال أمام القراتين؛ إذ يمتلك إيقاعاً عاماً واضحا،ً لكنه يضع المتلقي أيضاً أمام اختبار بصري يتطلب وقتاً وجهداً لفك علاقاته الداخلية.

وإذا استعرنا من ميرلو-بونتي فكرته عن الإدراك باعتباره تجربة جسدية، لا مجرد استقبال سلبي للمرئيات، أمكننا القول إن هذه الكثافة تجعل العين تشارك في حركة المشهد. فنحن لا نتلقى السطح دفعة واحدة، وإنما نتحرك داخله بالنظر، ونعود إلى بعض تفاصيله، ونكتشف علاقات لم ننتبه إليها في المرة الأولى. وبهذا المعنى، لا تتحدد تجربة التلقي بما نراه فحسب، بل بالطريقة التي نتحرك بها بين العناصر، وبالزمن الذي نحتاج إليه كي نعيد ترتيبها في وعينا.

وفي مستوى آخر، تتجاور في هذه السطوح إشارات إلى الفرح والحيوية مع إحساس ضمني بالقلق. فالألوان المضيئة وتعدد المفردات قد يمنحان المشهد طابعاً احتفاليا،ً لكن التداخل الكثيف وتعدد الاتجاهات يفتحان المجال لقراة المدينة باعتبارها فضاً لا يكف عن الحركة، ولا يمنح ساكنيه بالضرورة شعوراً كاملاً بالاستقرار. إنها مكان للقا والتواصل، لكنها أيضاً مجال للتزاحم والتنافس وصعوبة الإحاطة بما يحدث فيها.

ولا ينبغي فرض هذه الدلالة على جميع السطوح بالدرجة نفسها؛ فبعضها أقرب إلى الاحتفا بالمكان وتنوع الحياة فيه، فيما ينشغل بعضها الآخر بتشابك العناصر وحركتها. غير أن هذا التفاوت يمنح التجربة تنوعها، ويتيح النظر إليها باعتبارها وجوهاً مختلفة لعلاقة واحدة تجمع الإنسان بالمدينة، حيث تتجاور الرغبة في الانتما مع القلق من التحولات، وتتداخل الذاكرة مع واقع لا يتوقف عن التغير.

إن ما يمنح تجربة عبد الرزاق ياسر أهميتها هو اشتغاله على المدينة باعتبارها بنية بصرية وذاكرة إنسانية في آن واحد. فالأشكال والألوان والتفاصيل لا تؤدي وظيفة وصفية محضة، وإنما تشارك في إعادة بنا المكان عبر تداخل عناصره وتعدد علاقاته. ومع ذلك، تظل القيمة الجمالية لهذه التجربة مرتبطة بقدرة السطح على تحويل كثافة المشهد إلى كثافة في المعنى، بحيث يصبح تراكم التفاصيل تعبيراً عن تعدد الحياة وتداخل الأزمنة، لا مجرد امتلا بصري.

وهنا تتحدد العلاقة بين الذاكرة والفوضى البصرية؛ فالذاكرة نفسها ليست نظاماً مكتملا،ً بل فضا تتجاور فيه المفردات وتتداخل الأزمنة. غير أن تحويل هذا التداخل إلى صيغة تشكيلية ناجحة يتطلب حساسية في توزيع العناصر وضبط إيقاعها. وكلما استطاع الفنان منح هذا التراكم بنية داخلية متماسكة، اقترب السطح من التعبير عن المدينة باعتبارها تجربة معيشة، لا مجرد مشهد مزدحم بالتفاصيل.

في المحصلة، تدعونا سطوح عبد الرزاق ياسر إلى النظر في المدينة من خلال ما تتركه فينا، لا من خلال ما تعرضه أمام أعيننا فحسب. إنها تستعيد المكان عبر الإدراك والذاكرة، وتكشف عن تشابك الإنسان مع بيئته، وعن صعوبة اختزال الحياة المدينية في مشهد واحد مستقر. وبين الحيوية والازدحام، وبين التذكر والتغير، تتشكل تجربة تسعى إلى الإمساك بروح المدينة، حيث لا ينفصل جمال التفاصيل عن الأسئلة التي تثيرها، ولا تنفصل الذاكرة عن التحولات التي تعيد تشكيلها باستمرار.

 


مشاركة المقال :