حين يلوّح الخريف بأوراقه الأخيرة

نسرين حمزة

بين ورقةٍ خضراء تُسلّم آخر أسرارها للريح، وسماءٍ مثقلةٍ بلون الرحيل، يقف الخريف على عتبة الغياب كأنه يعرف أن لكل شيء نهاية، وأن أجمل الوداعات هي تلك التي لا تُقال.

ها هو الخريف يطرق أبواب المدن بهدوء، يسرق من الأشجار خضرتها ورقةً تلو أخرى، ويترك على الأرصفة حكاياتٍ صغيرة تشبه حكاياتنا؛ حبٌّ بدأ، وذكرى بقيت، ووجهٌ غاب، وقلبٌ ما زال ينتظر.

في هذا الفصل تحديدًا، تبدو الطبيعة وكأنها تكتب مقالًا طويلًا عن الوداع. الأشجار تتخلى عن أوراقها دون مقاومة، والريح تجمع ما تبعثر من الذكريات، فيما تمضي الأيام ببطءٍ حزين نحو شتاءٍ جديد.

ولعل أكثر ما يوجع في الخريف ليس سقوط الأوراق، بل ذلك الشعور الذي يهمس في داخلنا بأن شيئًا جميلًا كان هنا… ثم مضى.

فحين تتساقط آخر الأوراق الخضراء، لا يبدو المشهد كأنه نهاية موسم فحسب، بل كأنه رسالة حبّ أخيرة من الطبيعة، تقول لنا إن بعض الأشياء ترحل وهي في أوج جمالها، وأن بعض الوداعات لا تحتاج إلى كلمات… يكفيها أن تسقط ورقة، وأن تهبّ ريح، وأن يصمت القلب قليلًا.

ليس للخريف موعدٌ مع الفصول فحسب، بل له موعدٌ آخر مع قلوبنا… يأتي محمّلًا بأشياء لا نعرف كيف نسمّيها، ويغادر تاركًا خلفه شيئًا من الحنين، وشيئًا من الحزن، وكثيرًا من الذكريات.

في الخريف، لا تسقط الأوراق وحدها…

تسقط معها أشياء كثيرة خبأناها طويلًا في زوايا القلب.


مشاركة المقال :