رحيل ساجدة عبيد.. موت صوت الأفراح العراقية

 

أمير الخطيب

لم تكن ساجدة عبيد مجرد مطربة عراقية رحلت بهدوء بعد صراع مع المرض، بل كانت صوتاً عاش داخل تفاصيل الحياة اليومية للعراقيين أكثر مما عاش على المسارح أو الشاشات. برحيلها اليوم، لا يفقد العراق فنانة فحسب، بل يودّع جزءاً من ذاكرته الشعبية التي رافقت الضحك والفرح والبكاء والنجاة من الزمن الصعب.

منذ بداياتها الأولى، لم تولد شهرة ساجدة عبيد داخل المؤسسات الفنية الكبرى، بل خرجت من قلب المجتمع نفسه، كانت ابنة المناسبات الشعبية، صوت الأعراس الريفية، ونجمة السهرات البسيطة التي يجتمع فيها الناس بعيداً عن السياسة والضجيج، في زمن كانت فيه الأغنية الشعبية تُعد فناً هامشياً، استطاعت أن تجعلها لغة العراقيين اليومية.

لم تكن حفلة زفاف أو فرح عائلي أو احتفال شعبي تقريباً يخلو من أغانيها، أشرطة الكاسيت القديمة، سيارات الأجرة، المقاهي، البيوت، وحتى الأعراس خارج العراق.. كلها حملت صوتها، لم تحتج إلى حملات إعلامية ضخمة، لأن الناس أنفسهم كانوا منصتها الحقيقية.

ساجدة عبيد غنّت للعراقي العادي؛ للفرح البسيط، للحب الشعبي، وللحياة التي تستمر رغم كل شيء. ولهذا ارتبط اسمها بالأفراح العراقية لعقود طويلة، حتى أصبحت أغانيها جزءاً من الطقس الاجتماعي العراقي نفسه، لا مجرد أعمال فنية تُسمع وتُنسى.

ورغم أن فنها انطلق من البيئة الريفية والشعبية، إلا أن شهرتها تجاوزت الحدود سريعاً، وصلت أغانيها إلى الجمهور العربي والجاليات العراقية في أوروبا وأمريكا والخليج، حتى تحولت إلى واحدة من أشهر أيقونات الغناء الشعبي العراقي، وصوتاً يعرفه العراقي أينما ذهب، لقد مثّلت حالة نادرة لفنانة تجمع حولها مجتمعاً منقسمًا سياسياً واجتماعياً، لأن الفن عندها كان مساحة مشتركة للجميع.

ما ميّز ساجدة عبيد أيضاً هو بساطتها الإنسانية. لم تُعرف يوماً بأنها طرف في صراع وطني أو أزمة سياسية أو انقسام اجتماعي، على العكس، بقي حضورها مرتبطاً بالفرح لا بالخلاف، وبالناس لا بالسلطة. كانت تشارك في المناسبات الوطنية وتغني للعراق كهوية جامعة، لا كطرف ضد آخر.

لكن خلف هذا الصوت الذي يوزّع الفرح، كانت حياة شخصية صعبة تشبه حياة ملايين العراقيين. عاشت الحروب، والحصار، وسنوات العنف والاضطراب، وواجهت التضييق الاجتماعي والانتقادات القاسية التي طالت الكثير من الفنانين الشعبيين، خصوصاً النساء. ومع ذلك، استمرت تغني، وكأنها تقاوم الواقع بالأغنية.

نجح كثير من الفنانين في الهجرة والاستقرار خارج البلاد، لكن ساجدة عبيد بقيت مرتبطة بالعراق حتى أيامها الأخيرة. لم تمت في منفى فني أو مدينة بعيدة، بل رحلت داخل الوطن الذي غنّت له، وبين جمهورها الذي صنع شهرتها منذ البداية.

وهنا تكمن رمزية رحيلها:
فنانة بدأت من الأعراس الشعبية، وعاشت مع الناس، وانتهت حياتها بينهم أيضاً.

اليوم، قد تغيب ساجدة عبيد جسداً، لكن الحقيقة البسيطة التي يعرفها العراقيون هي أن صوتها لن يختفي، فبعد سنوات طويلة، سيُقام عرس جديد في قرية أو مدينة عراقية، وستنطلق إحدى أغانيها من مكبرات الصوت.. دون أن يفكر أحد إن كانت حاضرة أم راحلة.

لأن بعض الفنانين لا يموتون فعلاً..
إنهم يتحولون إلى ذاكرة جماعية.

وساجدة عبيد كانت وستبقى صوت الأفراح العراقية.


مشاركة المقال :