مصطفى طه الياسري
قبل أن يطلق الحكم صافرة البداية، كان المنتخب العراقي قد خاض مباراة أصعب من أي مواجهة داخل الملعب؛ مباراة مع إعلام فقد جزءاً كبيراً من روحه الرياضية، وتحول عند البعض إلى منصة لإصدار الأحكام وتنفيذ الإعدامات المعنوية بحق اللاعبين والجهاز الفني.
المنتخب وقع في مجموعة الموت، وخاض بطولة أمام منتخبات تملك تاريخاً وخبرة وإمكانات كبيرة، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى تفسير، لكن بعض البرامج الرياضية تجاهلت كل ذلك واختارت طريق التشفي، وكأن خسارة العراق انتصار شخصي لها! والنقد مسؤولية عظيمة عندما يكون هدفه الإصلاح، أما تحويل الشاشات إلى ساحات للصراخ والسخرية والاتهامات، فلا يصنع منتخباً قوياً ولا يخرج جيلاً قادراً على المنافسة، وإنما يزرع الإحباط في نفوس اللاعبين، ويقسم الشارع الرياضي، ويمنح المنافسين ما عجزوا عن تحقيقه داخل المستطيل الأخضر.
وفي كل دول العالم، يقف الإعلام خلف منتخبه وقت الأزمات؛ يناقش الأخطاء، ويطالب بالمحاسبة، ويقترح الحلول. أما عندنا، فإن بعض الأصوات لا تظهر إلا بعد التعثر، وكأنها تنتظر لحظة السقوط لتشعل الحرائق وتزيد الجراح عمقاً. ولا أحد يقول إن المنتخب بلا أخطاء، ولا أحد يرفض التجديد أو المحاسبة، فالمرحلة المقبلة تحتاج بلا شك إلى قرارات جريئة وإعادة بناء في بعض المراكز، لكن ذلك لا يكون عبر حملات الإساءة والتجريح، ولا عبر تحطيم كل ما تحقق بعد سنوات طويلة من الانتظار.
إن العراق لا يحتاج إلى إعلام يهزم منتخبه قبل المنافسين، وإنما يحتاج إلى إعلام وطني شجاع، يقول الحقيقة دون تجريح، وينتقد دون إساءة، ويختلف دون أن يتحول إلى خصم لوطنه. فالمنتخبات تنهض بالعمل الجاد، والإعلام المسؤول، والجماهير الواعية، أما الضجيج الفضائي فلا يصنع إلا مزيداً من الخسائر.. ويبقى العراق دائماً أكبر من كل خلاف، وأكبر من كل برنامج يبحث عن الشهرة على حساب اسم الوطن.
