انهيار الدولة وبداية الفراغ/ فاروق الرماحي

فاروق الرماحي

عندما سقط نظام صدام حسين  عام 2003، لم يكن التحول في العراق انتقالًا من نظام سياسي إلى آخر، بل تفككًا سريعًا لبنية الدولةنفسها.

خلال أسابيع قليلة، تم حل الجيش العراقي الذي قُدّر عدده بين 400 إلى 500 ألف عنصر، وتفكيك أجهزة الأمن بالكامل، وإطلاق عمليةاجتثاث سياسي طالت عشرات الآلاف من الموظفين والإداريين.

هذا الانهيار لم يخلق فراغًا سياسيًا فقط، بل فراغًا سياديًا كاملاً، حيث لم تعد هناك جهة تحتكر العنف أو تدير المؤسسات أو تضمن الحدالأدنى من الاستقرار الإداري.

بين عامي 2004 و2006، تشير التقديرات إلى أن عدد الضحايا المدنيين بلغ في بعض الفترات ما بين 30 إلى 60 ألف قتيل سنويًا، معموجات نزوح داخلي بدأت مبكرًا قبل أن تصل لاحقًا إلى ملايين.

في هذه اللحظة، لم يكن العراق يعيش انتقالًا سياسيًا، بل تفككًا بنيويًا للدولة. وبالمقارنة، فإن ألمانيا بعد 1945 رغم انهيار النظام النازي،احتفظت ببنية إدارية مدنية ساعدت على إعادة البناء بسرعة، بينما في كوريا الجنوبية بعد الحرب الكورية كانت الدولة قائمة، وإن ضعفت،لكنها لم تنهَر مؤسسيًا. الفارق هنا ليس في حجم الدمار فقط، بل في وجود أو غياب ( الدولة الصلبة ) عند لحظة الصدمة.

في العراق، أدى هذا الفراغ إلى تشكل مراكز قوة متعددة ،، سلطة الاحتلال الأمريكي كقوة إدارة عليا، قوى سياسية عراقية جديدة تشكلتبسرعة لملء الفراغ، تمرد مسلح واسع في مناطق متعددة، وبدايات تنظيمات جهادية مسلحة ستتحول لاحقًا إلى تنظيمات أكثر تعقيدًا. وبذلكأصبح العراق أول حالة في المنطقة تتحول فيها الدولة من كيان مركزي إلى ساحة تنازع مفتوحة دون احتكار واضح للعنف أو القرار.


مشاركة المقال :