تقديم د كاظم المقدادي
الذين قرأوا وتوغلوا في كتب أدب الرحلات .. سيشعرون على الفور أنهم امام نص سردي مائز، نص يشعرك على الفور ان الكاتب ، هو الحائز على جائزة أدب الرحلة ، بعمق الدهشة وروعة البهجة، والمستحوذ على عقل القاريء بامتياز ، كاتب مبهر مولع باكتشاف المدن وتفاصيلها، وحياة الناس وتنوعاتها .. جعل من كل مدينة يزورها ،لوحة فنية تجتمع فيها كل الألوان ، لوحة رسمت بعبقرية وفكر فنان .
كاتب يحيل حقيبة السفر ، حبر قلم سال على مد البصر، حقيبة جمعت فيها ثقافة الوعي المعرفي، فكتبت لنا أروع ما في السرد السياحي .
يعد أدب الرحلات ، مصدراً مهماً للمعلومة التاريخية، التي عاصرها الرحالة ، وهو الأدب الذي يوصف المناطق المكتشفة وصفاً جغرافيا عمرانيا وإنسانياً فريداً ومفيداً ، من خلال تأشير خرائط البلدان، ورصد ما ينقش على الجدران ، كما فعل ابن بطوطة والأصطخري والبكري ، وماركو بولو الذي استمرّت رحلته إلى الصين مع أبيه وعمه نحو عشرين عاماً ..!!
كان البشر في ترحال دائم ، وكأنهم لم يطمئنوا إلى الأرض التي هم عليها ، بسبب زلازلها وبراكينها وأهوالها ونكباتها.
وكان الفراعنة اول من قام بأقدم رحلة ، كما يذكر الباحث الفرنسي مودويه ، وكما ذكر الرحالة الإغريقي هيروتيس في كتاب (التواريخ) في رحلاته وقراءاته خلال القرن الخامس قبل الميلاد .
كتاب ( أوراق مسافر ) للكاتب عبدالعظيم محمد يشكل اضافة نوعية مدهشة ، لأنه لا يتوقف عند مدينة واحدة كما فعل كاتب السطور في ( أوراق باريسية) و (السلطانة إسطنبول ) أوراق مسافر ، حالة متحركة متواصلة ، تنتقل بنا على بساط المعرفة، بأسلوب متفرد غير مألوف، وبأناقة الحروف ، من مدينة إلى اخرى .. مدناً اجنبية و عربية ، متوجساً اول محطة ، وهي لندن التي عشقها الآسيويون قبل الاوربيين ، والعرب قبل جميع الوافدين .. فكتب عنها عشقا ونثراً .. شوراعاً وأزقة وساحات ، ومسارحاً وحدائق وبنايات ، يتوقف عندها ، وصفاً وفكرة ومقارنة ، ولم ينس المقارنة، ولا فيض المقاربة فيقول:
* لندن فاكهة شهية معطوبة من الداخل ، وهذا القول قد يصح من الناحية المجازية ، والإنسانية ، والسبب في ذلك يعود إلى التناقض الصارخ الذي تعيشه لندن ، وهي تمثل للوهلة الأولى وجهة الأحلام ، فهي عاصمة الثقافة والأدب ، مدينة الضباب التي تحتضن التاريخ ، المسارح ، المتاحف المجانية ، والمكتبات العريقة بالنسبة للكاتب والمثقف لندن هي مركز إشعاع فكري وثقافي ومعرفي لا ينضب.
وفي سطور لاحقة يصف الكاتب ، الحياة الاجتماعية بخبرة عالم الاجتماع فيكتب :
تتجلى في لندن التناقضات الاجتماعية بأجمل صورها ،من حياة أرستقراطية مغرقة في المحافظة والهدوء ، إلى احياءً حيوية تضج بصخب الشباب ، والفنانين والمهاجرين مما يجعلها فسيفساء بشرية فريدة .
ولا ينس الكاتب أسواق لندن الحيوية فيقول:
* الأسواق التقليدية والشعبية مثل سوق بورك ماركت ، الذي يفوح بروائح التوابل والمخبوزات الطازجة ، وأسواق بروتوبيلو كامدن ، حيث تمتزج الفنون الموسيقية بالملابس العتيقة والتحف التيتروي قصصاً من الماضي .
وهنا يسجل الكاتب اثرً جميلاً في سرده ليترك في وجدان القاريء قولاً لا ينسى عندما يقول :
/ لندن لا ترحب بك بابتسامة دافئة ، بل بوقار غامض يغريك باكتشاف ، طقس يحدد المزاج وإيقاع البشر ، البرودة ليست مجرد درجات حرارة منخفضة بل هي مهندس العلاقات الاجتماعية ، في شوارع لندن ترى الناس يتحركون كأجزاء ساعة سويسرية دقيقة … المعاطف الطويلة الداكنة ، المظلات المستعدة دائما للمفاجآت ، والوجوه الصارمة التي تبحث عن الدفء في أكواب القهوة الساخنة .
وفي مقارنته بين بغداد ولندن يقول :
شتان بين برودة لندن المنضبطة ودفء ازقة بغداد ، في العراق يذوب الجليد الاجتماعي في ثوان ، الجار يعرف تفاصيل يومك ، والمارة في الشارع يتبادلون التحايا ، وكانهم أصدقاء قدامى .
اختص الكاتب الاستاذ عبدالعظيم محمد لندن محطته الأولى ، توقف عندها طويلا ، متأملاً ، عاشقاً ، فوصف الحياة بتفاصيلها المملة ، لأنها مدينة تعيش على إيقاع يوازن بين الهيبة الفكتورية والتحولات العصرية ، مستذكر قطرات المطر على زجاج الحافلات الحمر ، إلى هدوء نهر التايمز فتخلق لوحة درامية ملهمة .
ثم يتوقف ملياً عند الشارع السياسي 10 داونينغ ، مستذكراً مدام تاتشر وصرامتها ، وساعة بگبگن التي يضبط الجميع وقتهم ومواعيدهم على دقاتها ، وحتى حي سوهو الذي ضاع كولن ولسن في دهاليزه ، لكن العراقي عبد العظيم لم يضع في كل هذه التفاصيل ، كان ذاك العراقي الذي حمل هوية العراق وخصوصية الانتماء، الانتماء الذي لا يبحث عن وطن بديل .
ويغادر الكاتب لندن إلى اليونان موطن الفلاسفة الاغريق ، والى روما التاريخ وعصر النهضة ، وباريس وعصر التنوير ، إلى المغرب ومسقط ومدناً أخرى ، وتتكرر التجربة ، ولكن بحس آخر وشعور رهيف وحرف شفيف ، ولكن بوصف معرفي دقيق ، وبحس إنساني رفيع ، وبعقل يحمل شغف الاستكشاف ، وعقل مدهش فكان وفي كل مدينة يزورها .. يترك بصمته لا تفنى ، وذاكرة لا تمحى، فهو لا يغادر مدينة زارها ، الا وتعلق بها ، ومن حبه أشبعها، وتوثق بتاريخها، وحفظ خرائطها ، وهذه حالة إنسانية مائزة ،ترصد بعين فطنة يقظة ،حركات الناس، مرة يفرح لهار، ومرة أخرى يواسيها، حتى صار الكون عالمه، والإنسانية مضجعه ، وتحول المسافر باوراقه و الكاتب من غير ان يدري ، إلى احد ىعلماء الأنثولوجيا .. وهو العلم الذي يهتم بتحليل وتفسير الحالة الاجتماعية، والثقافية للمجتمعات بطريقة ممنهجة، بوصف حياة وتقاليد وآداب وفنون المجتمع بدقة العلم والمعرفة.
وهكذا وجدت صديقي الاستاذ عبدالعظيم محمد ، لا يحمل حقيبة سفر بيده .. انما كان يحمل شغف الاستكشاف بقلبه وروحه .. لا بعين مسافر ، انما بعين باحث مغامر ، عين تفكك كثافة المشهد .. وقلب وعقل يرصد حركة الحياة و أشياء المدن المسكونة بالوعد والموعد، وبعمق الدهشة.. وهي ذات الدهشة التي استولت على عقل الفلاسفة الإغريق ، الذين شيدوا لنا مدن المعرفة، بينما شيد فلاسفة النقل مدناً قاحلة./ انتهى
