العبارة والمعنى/ د احمد مشتت

د احمد مشتت

حكايات الزمن الجميل

كلما قرأت عبارةالزمن الجميلينتابني رعبٌ شديد، وحيرةٌ عميقة، وامتنانٌ كبير للأقدار التي قضت عليه وجعلته تاريخًا نحاول نسيانه فلانفلح.

الزمن الجميل زمنٌ عراقيّ بامتياز. لا تحلم أيُّ بلادٍ أخرى بامتلاكه، ولن تستطيع. زمنٌ فُصِّل على مقاس العراق بأيدي خياطين مهرة، حتىليحسدنا عليه الآخرون.

وحين يسألك سائقُ تاكسي مغربي في الرباط:

من أين الأخ؟

وتجيب، وأنت تعرف ما سيأتي:

من العراق.

يردد بفخرٍ وكبرياء:

أبناء الزمن الجميل، ويقصد صدام حسين.

تومئ برأسك دون أن تنطق بحرف.

كيف اختُزلت هذه البلاد العظيمة، بلاد الرافدين، في شخصٍ سفاح ذبحها من الوريد إلى الوريد؟

أنت شاهدٌ على الزمن الجميل؛ لأنك حرثت فيه أرضك البور، ولأن حزنك فيه خالدٌ مثل دجلة والفرات. بالنسبة لك لم يكن سوى صراعٍ يوميمن أجل البقاء حيًا. كان زمنًا يفاجئك بالرصاص، والفاشية، والجوع.

كم مرة طرق البعثيون بابك بقبضاتٍ مشحونة بالغضب، وبشهيةٍ لا تتوقف لكسر إرادتك؟

كم مرة متَّ ودُفنت تحت أنقاض الزمن الجميل؟

كم مرة حاصرتك أذرعه الأخطبوطية وحشرتك في شقٍّ ضيق؟

إحنا مشينا للحرب“…

رددها أبناؤه المخلصون في أولى تجليات ولادته من رحم العراق المنهك.

كان زمن البرابرة.

زمن الأمهات اللواتي يفتشن بين رايات الموت التي ملأت الأزقة والشوارع عن وجوه أبنائهن.

زمن الشباب الذي شاخ قبل أوانه.

زمن البلاد التي سلبت أبناءها حق الحياة.

زمن المسدس الذي يطرق الأبواب إيذانًا ببدء حملة التتويج.

زمن المهيب المقدس، الذي أخبرنا بكثيرٍ من الحماسة أن الخنادق بيتنا، وأن البنادق ظلالنا، وأن الصمت سلواننا.

زمن الخراب الفادح.

وزمن الخسارات التي كسرت العراق، حتى غدا خردةً بين الرافدين.

ما كان زمانا جميل ؛ كان زمنًا بارعًا في التنكر. يضع على وجه الخراب قناع المجد، وعلى أفواه الضحايا أختام الصمت. أما نحن، الذينعبرناه جرحًا بعد جرح، فما زلنا نعرف انه زمان عصيب ، نحاول ان ننساه فنفشل.

قناع المجد، وعلى أفواه الضحايا أختام الصمت. أما نحن، الذين عبرناه جرحًا بعد جرح، فما زلنا نعرف انه زمان عصيب ، نحاول ان ننساهفنفشل.


مشاركة المقال :