حيدر المنصوري
النروج البلد الذي يمنح جائزة نوبل للسلام، ويحتفظ بصندوق الثروة النرويجي برأس مال يزيد على التريليوني دولار كذخيرة للأجيالالقادمة. ولكن القليل منا يعرف أن هناك علاقة تربط هذا البلد بالعراق.
وهذه العلاقة فريدة من نوعها، إذ لم تكن قائمة على المصالح السياسية أو الاقتصادية التقليدية، بل تجسدت في مغامرة علمية وتاريخيةقادها الأسطورة النرويجي ثور هايردال Thor Heyerdahl للبحث عن أصل الحضارة في العراق. كانت هذه العلاقة جسراً يربط بينتكنولوجيا الحاضر وعبقرية الماضي السومري.
بينما كان العاَلم في سبعينيات القرن الماضي منشغلاً بسباق الفضاء، كان هذا المستكشف والعالم النرويجي تور هايردال ينظر إلى أهوارجنوب العراق، باحثاً عن سرّ السُفُن السومرية.
لم يكن هايردال مجرد مغامر، بل كان صاحب نظرية قلبت موازين علم الأنثروبولوجيا، سميت بنظرية الانتشار الثقافي عبر المحيطات كجسرتلاقي حضري وليست عوائق طبيعية، وأن البحار لم تكن فواصل بين البشر، ولا عائقاً أمام الحضارات القديمة، بل كانت طرقاً سريعةسمحت لهم بالتواصل ونقل الثقافات والتقنيات ، ربطت بين أعظم حضارات العالم القديم. وتحطيم الفكرة القائلة بأن الإنسان القديم كانمعزولاً.
كان يهدف إلى إثبات أن الشعوب القديمة (مثل السومريين، والمصريين، وشعوب الإنكا) كانت تمتلك المهارة لبناء سفن من مواد طبيعية (مثلخشب البلسا أو القصب) قادرة على قطع آلاف الأميال في المحيطات.
آمن هايردال بأن الحضارات الكبرى (في بلاد الرافدين، ومصر، ووادي السند) لم تنشأ بمعزل عن بعضها البعض.
وهذه أحد النظريات التي تكاد تٌثبِت أن حضارة السند والهند انتقلت من سومر وهذا ما يظهره تشابه كثير في العادات والتقاليد والدينبينها، إذيعتقد أن هناك تلاقحاً حضارياً حدث عبر البحار.
ولإثبات أن السومريين كانوا قادرين على التجارة والوصول إلى أقاصي الأرض، قرر أن يضع العِلم تحت اختبار التجربة العملية.
بناء السفينة دجلة في عام 1977، توجه هايردال إلى مدينة القرنة في محافظة البصرة، حيث كان يٌعتقَد أنها ملتقى دجلة والفرات آنذاك. وهناك، اعتمد كلياً على خبرة سكان الأهوار في البصرة، وعلى رأسهم خبير بناء القوارب جمعة طه، الذي أشرف على جَدْل القصب وربطهبالطرق السومرية القديمة التي لم تكن تحتاج إلى مسمار واحد.
وبالتعاون مع سكان الأهوار الذين ورثوا أسرار التعامل مع القصب لآلاف السنين، شرع في بناء سفينة عملاقة بطول 18 متراً مصنوعةبالكامل من قصب البردي. أطلق عليها اسم دجلة، المشحوف الزورق القصبي الطويل والرشيق الذي عُدَّ رمزاً للأهوار. تحول لسفينة تبحر فيالبحار والمحيطات، فلم تكن السفينة مجرد وسيلة نقل، بل كانت مختبراً عائماً يثبت أن مادة القصب البسيطة، إذا ما عولجت بطريقة سومرية،يمكنها الصمود أمام أمواج المحيطات العاتية.
انطلقت السفينة دجلة من شط العرب، من البصرة إلى المحيط الهندي وعلى متنها طاقم دولي يضم 11 شخصاً من مختلف الجنسيات (منبينهم عراقيون ونرويجيون ودنماركيون ومكسيكيون وأمريكيون وروس).
وكان الهدف من هذا التنوع هو إرسال رسالة مفادها أن البشرية يمكنها التعاون معاً في سفينة واحدة رغم الخلافات السياسية.
أحدهم كان الدكتور رشاد سليم، وهو إبن أخ جواد سليم صاحب نصب الحرية الشهير في بغداد. الذي ضمه هايردال كأحد أعضاء الطاقمالأحد عشر وهو في عمر الثالثة والعشرين، وقام بدور المترجم، الرسام، والمنسق مع الحرفيين العراقيين الذين بنوا السفينة من قصب القرنةفي البصرة.
في رسالة رمزية للسلام والوحدة الإنسانية، أبحرت السفينة عبر الخليج الفارسي، ثم خليج عمان فبحر العرب ثم اتجهت نحو وادي السند(باكستان حالياً). ومن ثم عائدةً حيث قطعت المحيط الهندي وصولاً إلى القرن الأفريقي.
أثبتت هذه الرحلة بما لا يدع مجالاً للشك أن السومريين كانوا يمتلكون تكنولوجيا بحرية مكنتهم من السيطرة على طرق التجارة البحريةالدولية قبل آلاف السنين، وهو ما يفسر التشابه المذهل في العمارة والفنون بين تلك الحضارات المتباعدة.
وللأسف انتهت رحلة السفينة دجلة في عام 1978 في جيبوتي، ولكن ليس بسبب غرقها، بل بقرار ثوري من هايردال. بسبب الحروب التيكانت مشتعلة في منطقة القرن الأفريقي آنذاك ومنع السفينة من الرسو في عدة موانئ، قرر هايردال إحراق السفينة دجلة احتجاجاً علىالعنف العالمي. بعث برسالة إلى الأمم المتحدة قال فيها:
“اليوم نحرق سفينتنا الفخورة. ليس اعترافاً بالهزيمة، بل احتجاجاً على وحشية العالم الحديث. لقد أبحرنا إلى الماضي لنثبت أن البشركانوا دائماً مترابطين، ولكننا وجدنا أنفسنا محاصرين في الحاضر بأسلحة لم يصنعها أجدادنا.
لقد بنينا هذه السفينة من القصب الذي نبت في أرض العراق، حيث بدأت الحضارة، لنحمل رسالة سلام.
ولكن الموانئ أُغلقت في وجهنا، والبحار التي كانت يوماً طرقاً للتواصل، أصبحت ساحات للدمار. نحن طاقم من أحد عشر رجلاً من دولتتصارع سياسياً، ولكننا على متن هذه السفينة كنا أخوة، نأكل من طبق واحد ونسهر تحت سماء واحدة.
لقد أثبتت سفينتنا أن الحضارات القديمة كانت تتواصل وتتبادل المعرفة، بينما نحن اليوم، بأدواتنا الحديثة، نستخدم البحار للصراع وتدميربعضنا البعض.
كوكبنا أكبر من حزم القصب التي حملتنا، لكنه صغير بما يكفي لندمره بحماقتنا. إننا نحرق دجلة‘ اليوم لنقول للعالم: استيقظوا.. قبل أنتحترق السفينة الكبيرة التي نعيش عليها جميعاً“.
تظل رسالة ثور هايردال هي الرابط الأقوى في الذاكرة الثقافية العالمية بين النرويج والعراق إلى البشرية جمعاء. بلدين متباعدين جغرافياحملا شعاراًواحداً للبشرية.
أعاد من خلاله هايردال للعراق القديم مجده البحري السلمي المنسي، وأظهر للعالم أن أبناء سومر في الأهوار هم ورثة شرعيون لأعظممهندسي السفن في التاريخ، ربطت العالم بسلام معاً.
اليوم، يُنظر إلى هايردال في النرويج كبطل قومي حيث تقبع سفينته Kon-Tiki في متحفها الكبير في شبه جزيرة Frogner في أوسلوليخلد إسمه.
وفي العراق فلا أتصور أن هناك من سمع به. بينما كان حري بالعراق أيضاً، أن يخلد إسم هذا العالم الكبير ولو بإطلاق إسم أحد الشوارعالمهمة أو المتاحف بإسمه، أو حتى إنشاء متحف خاص لهذا الغرض يحمل إسمه ، لتخليد ذكراه وامتناناً للعمل العظيم الذي قام به خدمةللحضارات في العالم أجمع وللحضارة السومرية على وجه الخصوص، التي نتغنى بها، ولا نعرف عنها شيئاً.
لقد استطاع بـ حزمة قصب أن يثبت للعالم أن شمس الحضارة أشرقت من أرض الرافدين لتنير المحيطات البعيدة في رسالة سلام لكلالعالم، تدعو للتعاون والتضامن وحماية الحضارات –التي هي ملك مشاع للبشرية جمعاء– من الدمار الذي يهدد به المهرجون الجدد. فماأشبه الأمس باليوم، حيث تحاصر البحار وتمنع التواصل بين الشعوب.
