محمد فخر الدين
في واحدة من الصور الصارخة لخلل المنظومة القانونية، نجد أنفسنا أمام أنموذج يتكرر من دون رادع له: فنلاحظ أن مستثمراً يبرمعقد بيع مع مواطن، فيستلم كامل الثمن، ثم يمتنع عن إتمام إجراءات التسجيل، ليتفاجأ المشتري لاحقاً بأن العقار ذاته قد سُجِّل بإسمشخص آخر. إنها جريمة واضحة الأركان، تبدأ بإخلال تعاقدي، لكنها لا تقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى سلوك احتيالي منظم يقوم علىبيع العقار ذاته لأكثر من شخص.
وبالرغم من جسامة هذا الفعل، فإن المعالجة الجزائية تأتي مخففة على نحو يفرغها من مضمونها، إذ تُكيَّف الأفعال في الغالب وفقالمادة (456) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969م، بدلاً من المادة (457)، ويُحكم على المستثمر بغرامة لا تتناسب إطلاقاًمع حجم الضرر، بدلاً من تطبيق النصوص الأشد التي تجرّم الاحتيال متى ما توافرت أركانه، أما الاتجاه إلى استبعاد الحبس بحجة أنالفاعل “مدير مفوض”، فإنه يكرّس سابقة خطيرة مفادها أن الشخصية المعنوية للشركة يمكن أن تتحول إلى ملاذ آمن للإفلات من المسؤولية.
ولا يقف الأمر عند حدود القضاء الجزائي، بل يتفاقم في مرحلة التنفيذ. فبعد حصول المشتري على حكم بفسخ العقد والتعويض،وسلوكه الطريق التنفيذي، يُصدم بواقع قانوني معقّد: إذ يتم حجز عقار مسجل بإسم الشركة، فيُطعن بالقرار، لتقضي محكمة الاستئنافبصفتها التمييزية بنقضه، تأسيساً على أن الحجز يجب أن ينصب على أموال المدين الخاصة، وأن العقار مسجل بإسم شركة استثمارية،الأمر الذي يستوجب التحقق من طبيعة هذه الملكية وفق قانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006م.
وهنا تتجلى الإشكالية الحقيقية، فالمادة (10) من قانون الاستثمار، وإن منحت المستثمر حق التملك، إلا أنها قيّدت هذا الحق بقيود جوهرية،من بينها: وضع إشارة عدم تصرف على سند الملكية، وربط التملك بتنفيذ الالتزامات التعاقدية، بمعنى أن ملكية المستثمر ليست مطلقة، بلهي ملكية مشروطة ومقيدة قانوناً. ومع ذلك، فإن التطبيق العملي يتعامل معها وكأنها ملكية تامة محصنة ضد التنفيذ، مما يؤدي إلى نتيجةغير عادلة: فالدائن لا يستطيع الحجز على العقار لأنه مسجل بإسم الشركة، ولا يستطيع حبس المدين لأنه مدير مفوض، ولا يجد أموالاً أخرىيمكن التنفيذ عليها، فتتحول الأحكام القضائية إلى نصوص بلا أثر. والأخطر من ذلك، أن هذا الفراغ التشريعي فتح الباب أمام نمط متكررمن الاحتيال، حيث تقوم بعض الشركات ببيع العقار الواحد لأكثر من شخص، مستفيدة من: ضعف الرقابة على إشارة عدم التصرف، وغيابالمتابعة الفعلية من الجهات المختصة، والتكييف الجزائي الخاطئ للأفعال، وعدم مساءلة المدير المفوض بصفته الشخصية عند ثبوت الغش. بل إن الوقائع أثبتت أن بعض المستثمرين يستمرون في بيع ونقل ملكية العقارات حتى بعد سحب الإجازة الاستثمارية، من دون وجودنصوص رادعة توقف هذا العبث أو تبطل آثاره بشكل فوري.
إن ما نواجهه اليوم ليس مجرد نزاع مدني أو تقصير فردي، بل هو خلل في التشريع والتطبيق معاً، أدى إلى اختلال التوازن بينحماية المستثمر وحماية المواطن، لصالح الأول على حساب الثاني, وعليه، فإن المعالجة لم تعد تحتمل التأجيل، وتقتضي تدخلاً تشريعياًحاسماً يقوم على: تجريم بيع العقار لأكثر من شخص ضمن المشروعات الاستثمارية وفق المادة (457) من قانون العقوبات، وإقرار مبدأالمسؤولية الشخصية للمدير المفوض عند ثبوت الغش أو سوء النية، والنص صراحةً على قابلية أموال الشركات الاستثمارية للتنفيذ متى ماكانت ناشئة عن التزامات بيع تجاه المشتري، وتنظيم عملية نقل الملكية لتكون عبر الجهات الاستثمارية المختصة وليس من خلال الشركةبصورة منفردة، وتفعيل الرقابة على تصرفات الشركات الاستثمارية.
إن استمرار هذا القصور لا يهدد حقوق الأفراد فحسب، بل يضرب الثقة بالقانون في صميمها، ويحوّل الاستثمار من أداة تنمية إلىوسيلة للإثراء غير المشروع، وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال المشروع: كيف يمكن للمواطن أن يسترد حقه، إذا كان القانون نفسه يقفعاجزاً أمام من أتقن استغلال ثغراته؟
