محمد عبد الجبار الشبوط
يثير الحديث المتزايد عن الاقتصاد الموازي في العراق قلقاً مشروعاً، خصوصاً مع تنامي الشعور بأن جزءاً مهماً من النشاط الاقتصادي بات يتحرك خارج الأطر الطبيعية التي يفترض أن تحكم العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: كيف نشأ هذا الاقتصاد الموازي؟ بل: لماذا تمكن من النمو والتوسع إلى هذا الحد؟
في تقديري أن المشكلة أعمق من الفساد، وأعمق من الاقتصاد الموازي نفسه. فهذه الظواهر ليست سوى أعراض لمرض أكبر يتمثل في غياب المشروع الحضاري الذي يحدد اتجاه حركة الدولة والمجتمع والاقتصاد.
لقد امتلك العراق خلال العقود الماضية موارد مالية هائلة، وكان من الممكن لهذه الموارد أن تشكل قاعدة لانطلاقة تاريخية كبرى. لكن التجربة أثبتت أن الثروة وحدها لا تصنع التقدم. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تنهض بمجرد امتلاك المال، وإنما تنهض حين تمتلك رؤية حضارية واضحة لكيفية تحويل المال إلى قوة إنتاجية ومعرفية وإنسانية.
ومن هنا فإن المشكلة ليست في وجود الأبراج أو المولات أو الجامعات أو المستشفيات الأهلية. فهذه كلها مظاهر يمكن أن تكون جزءاً من عملية تنمية حقيقية. لكن السؤال الأهم هو: هل تمثل هذه الظواهر تعبيراً عن اقتصاد منتج قائم على المعرفة والعمل والإبداع، أم أنها تعبير عن اقتصاد ريعي يعيش في ظل الدولة ويستمد قوته من قربه من السلطة؟
إن الاقتصاد الحضاري لا يعادي القطاع الخاص، بل يعده شريكاً أساسياً في عملية التنمية. لكنه يميز بين رأسمالية منتجة تنشأ من العمل والمخاطرة والابتكار، ورأسمالية ريعية تنشأ من الامتيازات والاحتكارات والارتباط بمصادر النفوذ السياسي.
لقد انشغل العراق طويلاً بصراعات السلطة وتقاسم المواقع والنفوذ، بينما بقي سؤال النهضة الحضارية غائباً عن مركز الاهتمام. ولهذا تحولت الثروة النفطية في كثير من الأحيان إلى مورد للتنافس السياسي أكثر مما كانت أداة لبناء اقتصاد متنوع ومستدام.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم ليس مجرد استعادة الأموال المنهوبة أو محاسبة الفاسدين، على أهمية ذلك، وإنما بناء منظومة جديدة تجعل إنتاج الثروة أكثر أهمية من توزيعها، وتجعل العمل أكثر قيمة من الريع، وتجعل المعرفة أكثر تأثيراً من النفوذ.
فالدولة الحضارية الحديثة لا تقوم على اقتصاد ريعي مهما بلغت موارده، بل تقوم على مركب حضاري متكامل يكون الإنسان فيه محور التنمية، ويكون العلم أداة التقدم، ويكون العمل مصدر القيمة، وتكون القيم العليا هي الإطار الناظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع والسوق.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست مع الاقتصاد الموازي وحده، وإنما مع الثقافة الريعية التي أنتجته، ومع غياب الرؤية الحضارية التي سمحت له بالنمو والتمدد. فحين تمتلك الأمة مشروعاً حضارياً واضحاً تصبح الثروة وسيلة للبناء، أما حين تفقد هذا المشروع فإن الثروة نفسها قد تتحول إلى عامل من عوامل التعثر والتخلف.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل العراقيين اليوم ليس فقط: أين ذهبت الأموال؟ بل: أي عراق نريد أن نبنيه بهذه الأموال؟
إن العراق لا يعاني من نقص في الموارد، بل من نقص في الرؤية التي تحول الموارد إلى مشروع وطني جامع. فالثروة يمكن أن تكون نعمة كما يمكن أن تكون نقمة، ويمكن أن تكون جسراً نحو التقدم كما يمكن أن تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج التخلف. والفرق بين الحالتين لا تصنعه الأموال نفسها، وإنما تصنعه الفكرة التي توجهها، والمؤسسات التي تديرها، والقيم التي تحكم حركتها. ولهذا فإن معركة العراق الحقيقية ليست مع الاقتصاد الموازي وحده، ولا مع الفساد وحده، بل مع غياب المشروع الحضاري القادر على تحويل الثروة إلى علم، والعلم إلى إنتاج، والإنتاج إلى ازدهار مستدام. فالمستقبل لا تصنعه الثروة وحدها، وإنما تصنعه الرؤية التي توجه هذه الثروة نحو بناء الإنسان والدولة الحضارية الحديثة.
العراق لا يحتاج إلى استعادة الأموال فقط، بل يحتاج إلى استعادة البوصلة الحضارية.
