د حسن دنيف الشرشاب
في الوقت الذي تتسابق فيه دول المنطقة لفتح أبوابها أمام الزائرين وتبسيط إجراءات الدخول، يواجه الراغب بزيارة العراق معادلة معقدة تبدأ بتأشيرة إلكترونية مرتفعة الكلفة تصل إلى نحو 150 دولارًا، وتنتهي غالبًا بإحباط قبل أن تطأ قدمه أرض البلاد. هذه التأشيرة، التي تُطلب مسبقًا عبر الإنترنت، لا تُعد مجرد إجراء إداري، بل أصبحت في نظر كثيرين مخاطرة مالية غير مضمونة النتائج.
المشكلة لا تقف عند قيمة المبلغ، بل تتعداها إلى طبيعة الإجراء نفسه. فالسائح أو الزائر مضطر أولًا للحصول على التأشيرة، ثم يبدأ البحث عن حجز طيران وفندق. لكن ماذا لو لم يجد حجزًا مناسبًا؟ أو تغيرت خططه؟ في هذه الحالة، تنتهي صلاحية التأشيرة ويخسر المبلغ المدفوع دون استفادة تُذكر. وهنا تتحول الزيارة إلى مغامرة غير محسوبة، خصوصًا للعائلات التي تضطر لدفع مبالغ مضاعفة عن كل فرد، بما فيهم الأطفال.
هذا الواقع يطرح تساؤلات مشروعة: لماذا لا تُشجَّع السياحة في بلد يمتلك إرثًا حضاريًا من الأقدم في العالم؟ ولماذا لا تُبسط الإجراءات كما هو الحال في دول الجوار؟
في إقليم كردستان العراق، على سبيل المثال، تبلغ رسوم التأشيرة نحو 20 دولارًا فقط، وغالبًا ما تُمنح بسهولة أكبر. هذا التفاوت داخل البلد الواحد يثير الاستغراب، ويدفع للتساؤل عن غياب سياسة موحدة واضحة تجاه الزائرين.
أما على مستوى المنطقة، فالمقارنة تصبح أكثر وضوحًا. كثير من الدول العربية لا تفرض رسومًا مرتفعة، وبعضها يتيح التأشيرة عند الوصول، فيما تقدم دول الخليج، بما فيها السعودية، تسهيلات كبيرة بل وفي بعض الحالات تأشيرات بلا مقابل ضمن برامج تشجيع السياحة. حتى بعض الدول الأوروبية، رغم تعقيداتها المعروفة، تبقى رسوم تأشيراتها أقل من نظيرتها العراقية، مع نظام واضح ومواعيد محددة وإجراءات مستقرة.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: لماذا لا يعتمد العراق نظام التأشيرة عند الوصول؟ هذا الخيار من شأنه أن يرفع الحرج عن الزائر، ويمنحه مرونة في التخطيط، ويقلل من المخاطر المالية. كما أنه سيبعث برسالة إيجابية بأن العراق بلد مفتوح، يرحب بضيوفه بدل أن يضع أمامهم الحواجز.
الجانب الآخر من الإشكالية يتعلق بتراجع عدد رحلات الطيران إلى العراق. شركات الطيران، بطبيعتها، تبحث عن الجدوى الاقتصادية. وعندما تجد أن الإقبال ضعيف بسبب تعقيدات الدخول وارتفاع الكلفة، فإنها تقلص رحلاتها أو توقفها. وهكذا يدخل البلد في حلقة مفرغة: إجراءات معقدة تقلل الزوار، وقلة الزوار تدفع شركات الطيران للانسحاب، ما يزيد من صعوبة الوصول.
ويبقى السؤال الإداري حاضرًا: من المسؤول عن تحديد سياسة التأشيرات؟ هل هي وزارة الداخلية، أم وزارة الخارجية، أم هيئة السياحة؟ غياب وضوح الجهة المسؤولة ينعكس على غياب رؤية متكاملة، ويجعل الملف عرضة للتداخل والتأخير وربما التسيس.
وهنا يبرز تساؤل حساس: هل هذا الملف يُدار بعقلية أمنية بحتة على حساب البعد السياحي والاقتصادي؟ أم أن هناك مخاوف غير معلنة تدفع نحو إبقاء الإجراءات معقدة؟ في الحالتين، النتيجة واحدة: عزوف الزائرين، وخسارة فرصة حقيقية لتنشيط الاقتصاد.
في النهاية، العراق ليس بلدًا عاديًا في خارطة السياحة. هو مهد حضارات، ووجهة دينية وثقافية وتاريخية فريدة. لكن هذه القيمة تبقى حبيسة الإجراءات إن لم تُترجم إلى سياسات مرنة وجاذبة. فهل نشهد قريبًا مراجعة حقيقية لملف التأشيرات، أم يبقى الزائر محتارًا بين الرغبة في الاكتشاف والخشية من التعقيد؟
