حكومة بين الثقة والحذر

يـحــيـــى رعــــــد

حين تُمنح الثقة لحكومة جديدة في العراق، يتحول الحدث إلى احتفال بيانات. أزمة انتهت، مرحلة بدأت، والطريق مفتوح. لكن “الثقة” كلمة لها وزن خاص في السياسة، وحين تُستخدم بهذه السهولة تستحق التوقف.

الثقة الحقيقية تعني شيئاً محدداً: اقتناعاً بأن هذه الحكومة قادرة على إدارة الدولة، واستعداداً للدفاع عن هذا الاقتناع أمام الناس. لكن ما يجري في العراق منذ سنوات يشير إلى شيء مختلف. التصويت لا يُعبّر دائماً عن قناعة، بل عن حساب. القوى السياسية التي تمنح أصواتها تحتفظ في الوقت ذاته بمسافة من الحكومة التي صوّتت لها، وتبدأ المفاوضة معها قبل أن تبدأ هي العمل فعلياً.

هذا ليس تناقضاً سياسياً عابراً. هذا يكشف شيئاً عن طبيعة اللحظة التي تُولد فيها الحكومة: لحظة لا يجمع فيها الأطراف مشروع مشترك بقدر ما يجمعهم الحذر المتبادل. الجميع يخشى الفراغ، الجميع يخشى أن يتوسع الطرف الآخر على حسابه، والتصويت في النهاية هو الشكل الذي يأخذه هذا الخوف داخل قاعة البرلمان.

والحكومة التي تُولد هكذا تحمل في تركيبها ما أنتجها. لأن القوى التي لم تمنح ثقتها بالكامل لن تتنازل عن أدواتها للضغط، وهذا يعني أن الحكومة ستشتغل من اليوم الأول على معادلة صعبة: كيف تُنجز شيئاً يبدو إنجازاً دون أن تُغضب من أتى بها. وهذه المعادلة — لا قِصَر النيات ولا ضعف الكفاءة وحده — هي التي تجعل القرار بطيئاً والإصلاح مكلفاً.

الوزير حين يجلس أمام ملفه لا يفكر في الملف فقط. يفكر في الجهة التي رشّحته، وفي الاعتراض الذي سيأتي من الجهة المقابلة، وفي حجم الصراع الذي قد تفتحه خطوة واحدة في الاتجاه الخاطئ. السياسة تدخل غرفة القرار قبل أن يدخلها الملف.

العراقيون يعرفون هذا ليس من التحليل، بل من التكرار. حكومات عديدة دخلت تحت عنوان التغيير، وانتهى معظم طاقتها في إدارة التوازنات الداخلية التي صنعتها. الذاكرة السياسية للمواطن العراقي ليست تشاؤماً مزاجياً، هي خلاصة مشاهدة طويلة.

السؤال الذي يبقى معلقاً بعد كل جلسة منح ثقة: هل يكفي التصويت؟ التصويت يُضفي الشرعية الإجرائية، لكن القدرة على الحكم تحتاج إلى شيء آخر — جرأة اتخاذ قرار يعرف متخذه أنه سيُغضب بعض من أتوا به. هذه الجرأة لا تمنحها قاعة البرلمان، وغيابها هو ما يجعل البدايات العراقية تبدو متشابهة بصرف النظر عمن يقف أمام المنصة.

الحكومة الجديدة حصلت على أصوات. السؤال الأصعب ما إذا كانت ستحصل على ما لا يمنحه التصويت.


مشاركة المقال :