الباحث / عمر الأعرجي
نلحظ أن رئاسة الحكم قد بدأت تميل نحو “الأوليغارشية” (حكم الأقلية)، حيث بدأت فئة من أصحابالأموال والنفوذ بالتسلط على مفاصل الحكم؛ وهو ما نتج عما يمكن تسميته بـ “الديمقراطيةالاستبدادية” التي مهدت لتكوين عائلات متنفذة، تسخر نفوذها لتحقيق المصالح والرغبات الخاصة التيأدت لنشوء هذه الكيانات العائلية. وأمام هذا التغول، تبرز الحاجة الملحة للبحث عن نموذج سياسيوسطي يحقق التوازن بين الديمقراطية الدستورية ومنع احتكار السلطة.
تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق الأهداف الآتية
تشخيص ظاهرة الأوليغارشية العائلية: الكشف عن الآليات التي تتحول من خلالها الديمقراطيةالدستورية إلى حكم أقليات احتكاري يتمركز في يد عائلات نافذة
تحليل مفهوم “الديمقراطية الاستبدادية“: تبيان الكيفية التي تُستغل بها الأدوات الديمقراطية(كالانتخابات) لترسيخ سلطة إقصائية تهمش دور الفقراء والكفاءات
إبراز دور الوعي السياسي: توضيح العلاقة الطردية بين تدني الوعي الشعبي وتمكن القوى الاحتكارية منالسيطرة على العملية السياسية
تأصيل نموذج “النظام السياسي الوسطي“: تقديم رؤية علمية لنظام يمزج بين المشاركة الشعبيةوالضوابط الدستورية بما يضمن منع احتكار السلطة وتحقيق التوازن الاجتماعي
وضع مقترحات للإصلاح السياسي: تقديم توصيات عملية تساهم في النهوض بواقع الشعوب سياسياًلضمان اختيار القيادات القائمة على الكفاءة لا على النفوذ المالي أو العائلي.
المطلب الأول: المرتكزات الفلسفية والبنيوية لكل من الأليغارشية والديمقراطية
تقوم كل من الأليغارشية والديمقراطية على فلسفة متباينة في فهم “الاستحقاق” السياسي
الأليغارشية 1
المرتكز الفلسفي: تقوم على مبدأ “اللا مساواة الطبيعية“؛ حيث يُعتقد أن الكفاءة السياسية مرتبطةبالثروة والملكيات. الفلسفة هنا ترى أن من يملك الاقتصاد هو الأقدر على حماية استقرار الدولة.
البنية المؤسسية: تنحصر السلطة في يد فئة صغيرة (الأثرياء، العائلات المتنفذة). المعيار الأساسيللمشاركة هو “شرط الثروة.
الديمقراطية.2
المرتكز الفلسفي: تقوم على مبدأ “الحرية والمساواة“. الفكرة الجوهرية هي أن المواطنة بحد ذاتها(وليس الثروة) هي مصدر الحق في الحكم.
البنية المؤسسية: تعتمد على توسيع قاعدة المشاركة، السيادة فيها للشعب، وتعتمد آليات مثل الاقتراعالعام والتداول السلمي للسلطة.
رأي الباحث:
“إنَّ مسألةَ الأليغارشية والديمقراطية قد حدث فيها التباسٌ لدى الشعب –الذي هو مصدر السلطات– مما أدى إلى عدم استخدام الديمقراطية بشكلها الدستوري والقانوني، وتجلى ذلك في عدم اختيارالأنسب عبر صناديق الاقتراع؛ الأمر الذي أدى إلى تكتلٍ في العملية السياسية، وهو ما شهدناه في تكوينعائلاتٍ أليغارشيةٍ تمتلك النفوذ. كل ذلك نتج عن عدم استخدام شرعية الديمقراطية بشكلها الصحيح،وتحويلها إلى (ديمقراطية الاستبداد)
المطلب الثاني: أوجه الصراع والانحراف في الأداء السياسي:
يرى أرسطو أن الأنظمة السياسية تنحرف عندما تغلّب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة
انحراف الأليغارشية: عندما تتحول إلى استغلال السلطة لزيادة ثراء الفئة الحاكمة وإقصاء الفقراء تماماً،مما يؤدي إلى “احتقان طبقي” ينتهي غالباً بثورة.
انحراف الديمقراطية: في الفكر الأرسطي، تنحرف الديمقراطية لتصبح “حكم الغوغاء” (Mob Rule)،حيث تستخدم الكثرة الفقيرة سلطتها لمصادرة أموال الأغنياء دون وجه حق، مما يخل بمبدأ العدالة.
جوهر الصراع: الصراع هو صراع طبقي واقتصادي في مقامه الأول؛ الأغنياء يريدون حماية امتيازاتهم،والفقراء يريدون المساواة المطلقة
رأي الباحث:
إننا نرى هناك صراعاً طبقياً من قِبَل الأليغارشية للحفاظ على مميزاتها والبقاء في السلطة، والانحراف فيالنظام السياسي ناتجٌ عن ضعف الشعب الذي فَقَدَ مرحلة الوعي، وفي ظل هذا الانحراف نراه يريدالمساواة؛ لذا يتضح أن هناك ضعفاً في الوعي والإدراك لدى مَن يصنعون النظام السياسي، وهذا ينتجنظاماً سياسياً منحرفاً لا يعمل للمصلحة العامة، وإنما يعمل للمصلحة الخاصة ويحتكر النظام السياسيلأجله
(المطلب الثالث): “الديمقراطية الدستورية” كحكم وسط المنظور الأرسطي أو المعاصر.
لحل هذا الصراع، اقترح أرسطو مفهوماً يُسمى “النظام المختلط” أو “البوليتيا” (Polity)، وهو ما نسميهاليوم “الديمقراطية الدستورية
.) المنظور الأرسطي البوليتيا) 1
هو نظام يمزج بين أفضل ما في الأليغارشية (الكفاءة والتنظيم) وأفضل ما في الديمقراطية (المشاركةوالمساواة)
يعتمد على “الطبقة الوسطى” كصمام أمان، لأنها لا تملك طمع الأغنياء ولا حقد الفقراء.
2: المنظور المعاصرالديمقراطية الدستورية.
الوسطية هنا: هي التوفيق بين “سلطة الأغلبية” (ديمقراطية) و“حماية حقوق الأقلية” دستورية.
يتم ذلك من خلال سيادة القانون؛ حيث لا تستطيع الأغلبية مهما بلغت قوتها أن تنتهك الحقوقالأساسية للأفراد، مما يمنع انحراف الحكم نحو الدكتاتورية أو الفوضى
رأي الباحث:
يتضح ذلك من إقامة نظام وسطي يمزج بين الأوليغارشية والديمقراطية الدستورية؛ وذلك من أجل إقامةنظام سياسي معتدل لا يحتكر حق الشعب، ومن أجل حق الجميع في المشاركة في النظام السياسي،وعدم خلق ديكتاتورية أو عائلة متنفذة متسلطة تعمل على ضمان البقاء في السلطة وإقصاء الآخرين منفقراء الشعب عن المشاركة؛ وتلك دعوة متوازنة في نظام الحكم.
في ختام الدراسة، تبين أن النظام السياسي الذي تحول إلى نظام عائلي احتكاري وديمقراطية استبدادية،يعاني في الأصل من فقر في الوعي الشعبي؛ وبما أن الشعب هو مصدر السلطات، فقد نتج عن هذاالضعف تكتل قوى سياسية متحيزة احتكرت النظام السياسي. وهذا الواقع يتطلب قفزة نوعية للنهوضبالشعب، لضمان عدم تهميش الفقراء ومنحهم حقهم الأصيل في المشاركة في السلطة.
التوصيات:
الدعوة إلى إرساء وعي سياسي: ينهض بواقع الشعوب ويدفعها نحو اختيار الكفاءات السياسية، بمايسمح بمشاركة الجميع في العملية السياسية.
إقامة نظام وسطي: لا يحتكر السلطة بعيداً عن الفقراء، ويضمن عدم تهميش أدوارهم أو إقصاءمشاركتهم.
تنمية الثقافة السياسية للشعب: من الضروري أن يمتلك الشعب ثقافة سياسية تمكنه من فهم مفاصلالأنظمة السياسية، ليتمكن من اختيار الكفاءات القادرة على النهوض بالعملية السياسية.
