الآء عبد الحي
لم يَعُد دجلةُ ذاك الماردَ الطليقَ الذي شقّ مهد الحضاراتِ بعنفوان، بل أضحى اليوم “نهراً سجيناً” خلف القضبانِ والأسلاكِ الشائكة، يرقُبُ أهلهُ من بعيد وهم يرقبونَ احتضارَه بصمتٍ ومرارة.
ضِفافٌ مصلوبةٌ خلفَ السياج..
لقد سُرقت من العراقيين “رئةُ مدنهم”، فبعد أن كان الجرفُ ملاذَ الغريبِ وأنيسَ القريب، استحال اليوم إلى ثكناتٍ مُسورة ومساحاتٍ مُسيجة تمنعُ المواطن من ملامسة مياهه. إنّ غيابَ المرافئ العامة والمتنزهات المفتوحة جعل من النهر “لوحةً للنظر فقط”، محرّمةً على الجلوسِ والنزهة، وكأنّ الأسلاك الشائكة التي تُطوّق جرفه هي قيدٌ يلتفُّ حول عُنقِ كلِّ عراقيٍّ يبحث عن لحظةِ صفاءٍ أمامَ مياهِ وطنه.
إبادةُ الحياةِ المائية: شحٌّ وصيدٌ جائر
تحت وطأةِ العطش، انحسرَ مَدُّ النهرِ ليكشفَ عن قاعٍ متهالك، حيثُ أصبحت الشحةُ المائيةُ واقعاً يفرضُ الموت.
نزيفُ الثروة السمكية: أدّى انخفاض المنسوب وارتفاع التلوث إلى نفوقٍ جماعي للأسماك، فطفَت أجسادُها فوقَ مياهٍ لم تَعُد قادرةً على احتضانِ الحياة.
فوضى الصيد: استغل العابثون ضعفَ الرقابة ليمارسوا صيداً جائراً بالوسائل السامة والكهربائية، مما أجهزَ على ما تبقى من تنوعٍ إحيائي في أعماقِ النهر السجين.
خناجرُ الجوار في خاصرةِ النهر..
تكتملُ فصولُ المأساةِ بمقصِّ السياساتِ المائيةِ الخارجية، فبين سدودِ تركيا التي حجزت شريانَ الحياة، وتحويلِ إيران لمساراتِ الروافدِ وقطعِ عُروقِ التغذية، أُصيبت المسطحاتُ المائيةُ العراقيةُ بالشلل. لقد تحوّلَ دجلةُ من نهرٍ دوليٍ عابرٍ للقارات إلى مجردِ “قناةٍ مائية” تتحكمُ بمصيرها أهواءُ الجوار، مما ينذرُ بكارثةٍ بيئيةٍ واجتماعيةٍ تطحنُ حاضرَ العراقِ ومستقبله.
تحرير النهر السجين..
إنّ تحريرَ “النهر السجين” يبدأُ بانتزاعِ الحقوقِ المائيةِ ديبلوماسياً، وينتهي بكسرِ الأسلاكِ الشائكةِ ليعودَ الجرفُ إلى أصحابه الشرعيين، فالعراقُ بلا دجلةٍ.. جسدٌ بلا روح.
