أمريكا ولغة الخداع

فلاح الكلابي

القوة والضعف يظهران بوضوح عندما تدخل الدول في الحروب. في تلك اللحظات تختفي العبارات اللامعة ويصبح الفعل هو اللغة الحقيقية. القرارات العسكرية، نوع الأهداف، وطبيعة الضربات، كلها تكشف طريقة التفكير التي تقود الصراع.

الحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإيران قدمت مثالا واضحا على ذلك. خلال الأيام الأخيرة تعرضت بنى تحتية داخل إيران للقصف. جسور رئيسية، منشآت طاقة، ومرافق ترتبط بحياة الناس اليومية. هذه ليست مواقع بعيدة عن المجتمع، بل أماكن يعتمد عليها المواطن في تنقله وعمله وخدماته الأساسية.

 

عندما يُقصف جسر يربط بين مدينتين فإن الحركة تتعطل لساعات وربما لأيام. الشاحنات تتوقف، الطرق تزدحم، والناس تبحث عن طرق بديلة للوصول إلى أعمالها. وعندما تتعرض منشأة طاقة للضرب فإن الأثر يمتد إلى المصانع والبيوت والخدمات. هذه تفاصيل يعرفها أي مجتمع عاش تجربة الحرب أو تابع آثارها.

اختيار هذا النوع من الأهداف يضع المجتمع نفسه داخل دائرة الصراع. الجبهة لا تبقى بعيدة عن المدن، بل تقترب من حياة الناس اليومية. لهذا يشعر المواطن أن الحرب لم تعد تدور في مكان بعيد عنه.

الخطاب السياسي الأمريكي طوال سنوات كان يتحدث كثيراً عن الشعب الإيراني. قيل إن الهدف هو دعمه ومساعدته على العيش بحرية. الإيرانيون اليوم يشاهدون القصف يقع على منشآت مرتبطة بحياتهم اليومية. الجسر الذي يمرون فوقه، ومحطة الطاقة التي تغذي مدنهم، والمرافق التي يعتمد عليها الاقتصاد المحلي.

المشهد الذي يتشكل في ذهن الناس يأتي من الواقع الذي يرونه بأعينهم. أصوات الانفجارات، أخبار القصف، وتعطل بعض الخدمات. هذه الأشياء تترك أثرا مباشرا في وعي المجتمع. لذلك أصبحت الصورة أكثر وضوحاً لدى كثير من الإيرانيين.

 

السياسة الأمريكية تبدو هنا بعقلية القوة التي تريد فرض إرادتها مهما كانت النتائج على الأرض. دولة تمتلك إمكانات عسكرية هائلة تختار أن تضرب بنية يعتمد عليها المجتمع في حياته اليومية. الجسور، الطاقة، والمنشآت الصناعية تتحول إلى أهداف عسكرية في هذه الحرب.

 

المجتمع الإيراني يتابع ما يحدث بتركيز كبير. سنوات العقوبات والضغوط تركت تجربة طويلة في ذاكرة الناس. الإيرانيون تعلموا مع الوقت قراءة الأحداث وربطها ببعضها. كل حدث جديد يضيف قطعة أخرى إلى الصورة.

 

الضربات التي طالت البنى التحتية خلال الأيام الأخيرة جعلت كثيرين داخل إيران يرون الصراع بطريقة أكثر وضوحاً. الحديث السياسي في الخارج شيء، وما يجري على الأرض شيء آخر يراه الناس بشكل مباشر. القنابل التي تسقط على منشأة طاقة أو على جسر رئيسي تشرح الكثير من دون حاجة إلى بيانات طويلة.

 

لهذا يتشكل داخل المجتمع الإيراني فهم أعمق لطبيعة ما يحدث حوله. الحرب لم تعد مجرد أخبار تُتابع في وسائل الإعلام. آثارها أصبحت جزءا من الواقع اليومي الذي يعيشه الناس. ومع كل يوم جديد من هذه الحرب تتضح معالم هذا الصراع أكثر في نظر الإيرانيين.


مشاركة المقال :