الغباء الطبيعي / حيدر المنصوري

حيدر المنصوري

حصانة الغباء أمام المنطق.

لطالما نظرت البشرية إلى نفسها بنوع من الزهو والغطرسة معتبرة أن العقل والمنطق هما السمتان اللتان تميزان هذا النوع الفريد من الكائنات، لقد أفنينا قرونا في تشريح المشاعر وقياس الذكاء وتمجيد القدرات الإبداعية، لكن وفي عصر الذكاء الإصطناعي، هل تجرَّء أحدنا على النظر إلى الوجه الآخر للعملة، أقصد القوة المظلمة المدمرة والواسعة النطاق التي نلمس آثارها في كل ركن من أركان حياتنا ومع ذلك نتجاهل دراستها بمنهجية. إنني أتحدث عن الغباء البشري الطبيعي. لقد كانت شؤون البشر ومازالت في حالة يرثى لها، وهذا ليس بجديد. لكن ما غفل عنه الكثيرون هو أن جزءا كبيرا من بؤسنا الفردي والإجتماعي ليس نتاجاً للصدفة أو الكوارث الطبيعية فحسب بل هو نتاج ثانٍ لتلك الطريقة العبثية التي تأسست بها الحياة منذ البداية. هناك مجموعة بشرية لا قائد لها ولا دستور ومع ذلك تعمل بتناغم تام وكأنها تسترشد بيد خفية لتشكل أقوى قوة تعيق نمو السعادة والرفاهية البشرية. إننا لا نستطيع هزيمة الغباء تماماً فهو جزء أصيل من الطبيعة ولكننا علينا أن نتعلم كيف نحمي أنفسنا من عواقبه الفتاكة. لأننا نعيش وهم العقلانية ولذلك نقلل من حجم الأغبياء قيد التداول. إننا نصاب بالذهول مرارا وتكرارا حينما نكتشف أن الأشخاص الذين كنا نعتبرهم يوماً ما ذوي حكمة ومنطق تبين أنهم أغبياء بلا خجل، إن هؤلاء الأفراد يظهرون فجأةً وفي إيقاع رتيب لا ينقطع ليعرقلوا أنشطتنا في أكثر الأوقات حرجا وفي الأماكن التي لا نتوقعها أبدا. وهذا ما يجعل من الصعب وضع قيمة عددية محددة لنسبة الأغبياء في المجتمع. فأي رقم يتم وضعه سيكون بالضرورة أقل من الواقع. إن كتلة الغباء في أي مجتمع هي دائما أكبر مما يجرؤ أكبر المتشائمين على تخيله.

يسود في الأوساط العلمية المعاصرة توجه مساواتي يرى ان الإنسان نتاج بيئته وتربيته ولكن من منطلق الملاحظة والمراقبة أختلفُ مع هذا الطرح حين يتعلق الأمر بالغباء. المرء يولد غبيا كما يولد بشعر أبيض أو أشقر أو ينتمي لفصيلة دم معينة، فالغباء ليس نتيجة ظروف إجتماعية كما يصنفه المتفائلون، بل هو منحة وزعتها الطبيعة بعدالة غريبة ومذهلة، ومن هنا فإن إحتمال أن يكون شخصٌ معين غبياً هو أمر مستقل تماما عن أي سمة أخرى لهذا الشخص. لقد أثبتت الدراسات التي أجريت في الجامعات حقيقة صادمة وهي إن نسبة الإغبياء دائما ما تظل ثابتة ومستقرة بشكل يثير الريبة سواء كانت بين العمال اليدويين البسطاء أوالموظفين والطبقة المثقفة أو حتى بين أساتذة الجامعات أو بين الحائزين على جائزة نوبل، لقد كنتُ أظن في البداية كأي مثقف متفائل أنني سأجد نسبة أقل من الغباء بين الطبقة المتعلمة، لكن الواقع كان صادما فبين أعظم العقول الأكاديمية ستجد دائما تلك النسبة الثابتة من الأغبياء الذين يمارسون غبائهم بكل ثقة. إن الطبيعة تبدو وكأنها مؤسسة ديمقراطية متطرفة، تصر على الحفاظ على نفس النسبة من الأغبياء في كل مجموعة بشرية، بغض النظر عن مستواها التعليمي أو مكانتها المرموقة.

نحن بحاجة لمعيار لقياس البشر بعيدا عن الإنطباعات العاطفية. فالأنسان كما أخبرنا أرسطو قديماً حيوانٌ إجتماعي، وهذا يعني إن كل فعل نقوم به أو حتى إمتناعنا عنه، يترك أثراً ليس علينا فحسب بل على ما حولنا. هكذا نحتاج إلى هذا المعيار لتحديد الغباء ليكون بوصلتنا في فهم العلاقات البشرية والسلوك الاجتماعي لتقييم الغباء الذي نقوم به، وهو أننا عندما نٌقيِّم عملا ما فإن صاحب هذا الفعل هو من يحدد مكسبه بناءاً على قيمه الشخصية ولكن الطرف الآخر وحده هو من يملك الحق في تحديد خسارته، فإذا ضربتٌ أحدا على رأسه وشعرتٌ باللذة فقد حققتٌ مكسبا في نظري، ولكن لا يحق لي الادعاء أن الطرف الآخر قد إستمتع بذلك، فهو وحده من يقرر حجم الألم والخسارة أو حتى المتعة التي لحقت به من عدمها. إن هذا الميزان لايقيس الأموال فحسب بل يقيس الرحيق النفسي والعاطفي والجهد والوقت وبناءاً على هذا التقاطع بين الأرباح والخسائر سنكتشف أننا جميعا نقع في احد المربعات التي تشكل خريطة الوجود البشري.

هناك أربعة أنماط من البشر الذي يحركون تروس السلوك البشري الذين يمكن لنا ذكرهم، تصور معي مربعا داخله أربعة مربعات، حيث سنضع كل واحد منهم في مربعه إبتداءا من اليسار الأعلى، أولاً العاجزون السذج وهم الذين يقدمون الخير للآخرين على حساب أنفسهم، يربح الناس بفضلهم وهم يخسرون. ثانياً الأذكياء وهم القوة الدافعة للرقي الذين يحققون مكاسب لأنفسهم وفي الوقت ذاته يفيض خيرهم على المجتمع. وثالثا اللصوص وهم اللذين يتبعون منطقا أنانيا، حيث يحققون مكاسبهم الشخصية من خلال التسبب في خسائر للآخرين، ربحُ لهم وخسارة لغيرهم. لكن ثمة فئة رابعة تقبع في منطقة الظلام في المربع الرابع وهي الفئة التي تشكل جوهر بحثنا. الشخص الغبي هو الشخص الذي يسبب خسائر لشخص آخر أو لمجموعة من الأشخاص بينما هو نفسه لا يحقق أي مكسب لنفسه بل قد يتكبد خسائر أيضا. فاللص على بشاعة فعله لديه منطق هو يريد مالَك أو منصَبك بينما الغبي فهو يهاجمك، يعرقل عملك، ويهدر وقتك وجهدك، بلا أي هدف أو منفعة تعود عليه، إنه يمارس التدمير المجاني. إننا كبشر عقلاء نجد صعوبة بالغة في إستيعاب هذا السلوك لأن عقولنا مبرمجةٌ على البحث عن المصلحة أو المنطق وراء الأفعال. ولكن حين تتعامل مع الغبي فأنت تواجه قوة عشوائية عبثية لا تخضع لقوانين العقل. إن حياتنا اليومية ليست معركة ضد الأشرار فحسب، بل هي في معظمها إستنزاف مستمر لطاقاتنا بسبب هؤلاء الذين يلحقون بنا الأذى دون أن يجنوا من وراء ذلك سوى العدم.

وهنا سؤال هل البشر يلتزمون بمربعاتهم تلك طوال الوقت؟ والحقيقة أن معظمنا يتأرجح فقد يتصرف الشخص بذكاء في الصباح وبسذاجة في المساء. ولكن هناك إستثناء وحيد ومذهل لهذا القاعدة، وهم الأغبياء، إن السمة الأكثر رعباً لديهم هي الإتساق، فهمْ أغبياءٌ في كلِ زمانٍ ومكانْ،وتحت كل الظروف. سنأكد ذلك ببعض الأمثلة. فاللصوص ليسوا كلهم سواء،فهناك المثالي  الذي يسرق منك الفاً ليربح منك الفاً بالضبط. وهناك اللص الذكي الذي يسرق منك القليل ليحقق ربحا عظيما، لكن الصنف الأكثرإنتشارا هو اللص الغبي الذي يلحق بك خسارة فادحة كأن يقتلك أو يدمر مستقبلك من أجل مكسب غبيٍ لايكاد يُذكر له. ولو إنتقلنا قليلا لمنطقة الإنتحار في مربع الغباء المحض، حيت يتركز الأغبياء بشكل مريب هناك فهم يتنقلون في الغباء حتى يصلوا لقاع المربع حيث يظهر فائقي الغباء وهم أولئك الذين لايكتفون بإيذائك بدون مقابل بل يلحقون الضرر بأنفسهم بذات الوقت. إنهم يجسدون العبث بأبهى صوره. إن فهم هذا التوزيع يجعلنا ندرك أن الخطر ليس في الشر المحظ دائما، بل في ذلك العبث الذي يغلف أفعال الكثيرين الذين نلقاهم يوميا.

أما إذا وصل الغباء إلى السلطة وتربع على عرش العبث، فبعد أن حددنا ملامح الشخصية الغبية علينا أن نسأل ما الذي يجعل بعض هؤلاء أكثر تدميرا من غيرهم؟ إن القدرة التدميرية التي يمكن أن يسببها هؤلاء لا يتعلق بكمية الغباء التي يحملونها في جيناتهم فحسب، بل بالمنصة التي يقف عليها هذا الغباء ليمارس غبائه. وهي يمكن أن تكون المركز الذي يشغله في الهيكل الاجتماعي. فهؤلاء لا يكتفون في التواجد في قاع المجتمع بل يتسللون الى مفاصله الحساسة حتى القمة، فبين السياسيين والجنرالات ورؤساء الدول والبيروقراطيين وكثير من الأكاديميين -وخصوصا الذين يحرصون على حصولهم على شهاداتهم الجامعية من أجل تحسين مناصبهم أو مراكزهم في عرش السلطة- تظهر النسبة الثابتة التي ذكرناها سابقا بين عامة الناس. لكن شتان بين غبي يسكُب الشاي على ورقة، وبين غبي يملك حق الضغط على زر الحرب أو التوقيع على مرسوم إقتصادي يمس حياة الملايين. ولكن كيف يصل هؤلاء إلى قمة الهرم؟ في العصور الغابرة كانت الوراثة الطبقية هي القناة التي تضمن تدفق هؤلاء إلى قمة الهرم. أما في عصرنا الحديث وبفضل الديمقراطية والانتخابات فالوضع لم يتغير كثيرا، بل إن الإنتخابات في جوهرها تمنح الأغبياء وهم النسبة الثابتة من الناخبين -الذين أشرنا إليهم-فرصة ذهبية للمساهمة في وضع أغبياء أمثالهم في مناصب القرار دون أن يجني الناخب الغبي أي مصلحة، بل ربما يساهم في دمار ِنفسه. إن الغباء في موقع السلطة لا ينتج أخطاء فحسب بل ينتج كوارث منظمة لا يمكن حتى للذكاء الإصطناعي المتطورمن التنبأ بها. لانهاتفتقر إلى أي أساس منطقي يمكن التعامل معه. وجلي ما يشهده العالم اليوم بسبب هذا الغباء.

عبثية الهجوم وإنهزام العقل أمام الغباء؟ ولماذا تبدو كل ترسانتنا العقلية عاجزة عن الوقوف امامها؟

السر يكمن في طبيعة القوة التي يمتلكها الغباء. إننا ككائنات عقلانية يمكننا فهم منطق اللص، فالسلوك الإجرامي يتبع نمطاً من العقلانية الخبيثة،فاللص يريد إضافةً في حسابه وبما أنه لا يمتلك الذكاء الكافي لإبتكارهافإنه ينتزعها من حسابك وهو فعل سئ بالطبع، ولكنه منطقي. ولأن له منطقا يمكنك التنبأ به وتوقع خطواته وبناء دفاعاتك لمواجهته، أما مع الشخص الغبي فكل هذه القواعد تنهار، فالغبي سيضايقك دون سبب ولا مصلحة، وبلا أي خطة مسبقة، وسيظهر لك في أغرب الأماكن ليفسد عليك بهجتك ثم يمضي وكأنه لم يفعل لك شيئا. فأنت لست امام خصم بل أمام قوة عشوائية لا تخضع لقوانين السببية. وهنا تكمن المأساة فالدفاع يصبح مستحيلا. لان الهجوم يفتقر إلى الهيكل. فالغباء حصانة يحملها الغبي ضد المنطق. ودفاعاته محمية أمامه.

فهل سنبقى نواجه خطيئة الإستهانة القاتلة بهذا الغباء؟ لقد إرتكب الذين يعتبرن أنفسهم خارج مربع الغباء خطيئة إستراتيجية بحق انفسهم ومجتمعاتهم، وهو الإستخفاف بالقوة التدميرية التي يحملها الأغبياء،فالتصور الخاطئ بإمكانية التلاعب بهؤلاء وتوجيههم لمصلحتهم هو أكبر خطيئة لتحقيق مآرب خاصة، وهذا هو الوهم القاتل فعندما تتصور أنك تتلاعب بشخصٍ لا يحكمه المنطق فإنك لا تسيطر عليه بل تمنحه تأشيرة دخول لعالمك وتبقى رهينة لتصرفاته اللاعقلانية، وهذا ما يمنحنا شعورا خاطئا بالأمان بدل أن نقوم بتحصين حصوننا الدفاعية أمامه. فالتعامل مع الغباء هو إستثمار خاسر بالضرورة في كل زمان وعصر.

لماذا تزدهر بعض المجتمعات بينما تنهار أخرى؟ في لعبة مصير الأمم؟

الشخص الغبي هو أخطر الأنواع تدميرا. فاللص يربح ما تخسره انت فتظل المحصلة النفعية في المجتمع صفرا بينما الغبي فهو يدمر الثروة والجهد والوقت دون أن يضيف شيئا لأي احد حتى نفسه. فتظل النتيجة دائما في السالب، هذا هو الفارق بين الجريمة والعبث. ولكن السر في نسبة غير الأغبياء، فنسبة الأغبياء في كل مجتمع هي من يحدد صعود أو سقوط المجتمعات، ولكن نسبة غيرهم في المجتمعات الصاعدة هي تلك التي يستطيع فيها الأذكياء لجمَ نشاط الأغبياء، ويستطيع بموجبها الأذكياء إنتاجمن المكاسب ما يفيض عن حاجة المجتمع للنمو. في تلك المجتمعات الصاعدة يسرق اللصوص على قدرٍ وبذكاءٍ دون تحطيم النظام العام. أما المجتمعات المنهارة فهي تلك التي يتكاثر فيها اللصوص الذين يميلون للغباء، الذين لايسرقون إلا لغرض التدمير مقابل حصولهم على مكاسب تافهة، وفي نفس الوقت يكثر فيها العاجزون من فئة الأذكياء، أما السذج فهم يضيفون زخما لأولئك الأغبياء فهم يستسلمون للواقع. أما الأذكياء فيتركون المواجهة لإنهميرون فيها خسارة جسيمة لهم، أو حتى يتركون البلد ويذهبون للبلدان الصاعدة التي لجمت أغبيائها. وهنا تتحرر النسبة التدميرية لنسبة الأغبياء في النسبة العامة لذلك المجتمع وتصبح الكارثة قدراً محتوما. إن بقاء أي أمةٍمرهون بقدرة أذكيائها على محاصرة العبث والعدم الذي ينشره الأغبياء. فإذا غاب العقل فتحت أبواب الجحيم على مصراعيها. ويبقى الغبي كثقب أسود يبتلع كل ما يقوم به الآخرون من نجاح. مقتبس من كتاب القوانين الأساسية للغباء البشري لكارلو تشيبولا بتصرف.


مشاركة المقال :