هذه الكراهيّة والحروب .. مَنْ صنعها ؟! 

عبد السادة البصري

 

لماذا الحروب هذه ؟!

ولماذا تشعلونها؟! ألم يمنحنا الرب عقلاً؟! لماذا نجعله يفكر بالشرِّ فقط وإيذاء الآخرين؟!

ألم ترتوي نفوسكم وأرواحكم وقلوبكم من سفك الدماء، منذ فجر التاريخ وليوم الناس هذا وهناك مَنْ يشعل روح الكراهية في النفوس لا لشيء سوى القتل والخراب والدمار هنا وهناك..لماذا ..لماذا ؟!!

في روايته ( قرن الريح ) يقول الكاتب الاوروغياني ادوار دو غاليانو :ــ ( توقفت الريحُ عن الهبوب ، والأشجار عن التمايل ، لم ترتعش ورقة واحدة ، وصمتت الطيور ، تجمّدت الأشياء كلها ، منتظرة تلك اللحظة حين جاءوا وقتلوا مجموعة منّا ) ، بمعنى أن الكون كله يتوقّف عندما يُقتل إنسان !!

هذا ما جعلني أقف مليّاً عند الجرائم التي تُرتكب هنا وهناك، في بلادنا وغيرها، حيث باتت الجريمة سمةً، بل خبراً يومياً نتداوله في أحاديثنا كل لحظة !!

مَنْ سمح للجريمة أن تتغلغل في وسطنا ؟!، بل مَنْ سقى بذور الشرِّ، وأيقظ الشيطان القابع في نفوس البعض ؟!

تساؤلات تأخذني يميناً وشمالاً وأنا أقرأ وأشاهد الجرائم التي ترتكب بحقِّ الإنسانية، سواء بالقتل والحروب أو التجويع أو الفساد المستشري في كل مكان، لأجدني واقفا عند سؤال حيّرني كثيراً :ــ هذه الكراهية التي انبثقت في النفوس مَنْ حفّزها، ومَنْ صنعها، مَنْ زرعها وسقاها؟!

وأعود بذاكرتي حيث الطفولة التي عشتها بين الخضرة والماء في قريتي الغافية عند تخوم البحر بأقصى جنوب العراق في ستينات القرن المنصرم، عندما بكت كل عيون أبنائها ذات يوم بحرقةٍ على غريبٍ لم يُعرف من أين جاء، حين وجدوه مضمّخاً بدمه تحت أحد الجسورعلى ضفة النهر، ولم يهنأ لها بال حتى خرجت عن بكرة أبيها لتشييعه ودفنه وإقامة العزاء عليه !!

في تلك الأيام لم نعرف معنى الحقد أو الطائفية وما شابهها من صفات أخذت بالتفشّي ليقتل الأخ أخاه لا لشيء سوى اختلاف في الرأي مثلاً، وعشنا الحلوة والمرّة معا لم نفترق إلاّ عند اشتعال الحرب المجنونة التي أشعلها عشّاق الدم والموت في ثمانينات القرن الماضي، وبقينا نحمل المحبة والشوق لبعضنا لحد هذه اللحظة !!

ابتدأت بذور الكراهية بالنمو حين بدأ الرقيب الأمني والحزبي والطائفي يمشي بيننا، وأخذت الحكومات والسياسيون اللاعبون على عشرين حبلاً بسقيّها شيئاً فشيئاً لحاجة في نفس مّنْ يؤثر الكرسي وما يصبّ في جيوبه من أنبوب النفط والمال السحت، من التقارير والوشايات إلى التصفيات الجسدية، وكلّها جرائم بشعة يندى لها الجبين في عالم يبحث المرء فيه عن الأمان والمحبة والسعادة واعمار البلدان لتزدهر الحياة !!

أعود إلى غاليانو وهو يقول في مكان آخر من الرواية :ــ (كان الرجال الذين يحرقون الصدور بوابور لِحام المعادن يرتدون الكتّافيات ويحضرون العشاء الربّاني أيام الأحد !!).

لأطلب منكم وقفة تأمل قصيرة وستجدون أنفسكم قد انغمستم في الجريمة حدّ الغرق وأخذت الكراهية تمشي في الأوردة والشرايين لنكون عدوانيين لا نعرف قيمة الإنسان الحقيقية، يا للأسف !!!!!


مشاركة المقال :