جعفر محيي الدين _ النجف
في كل مرة يطرح فيها اسم نوري المالكي للواجهة، فيعود العراق إلى لحظة مفصلية من تاريخه الحديثفهذه الحظة تختلط فيها الذاكرة بالأمن، والاقتصاد بالسياسة، والسيادة بحسابات الخارج ، ليس لأنالرجل مجرد مرشح لرئاسة حكومة، انما لانه عنوان لمرحلة كاملة ما زالت آثارها حاضرة في الشارعالعراقي ، وفي مؤسسات الدولة، وفي ذهن الإقليم والعالم. اما اليوم، وبين رغبات الإطار ورؤيتهم لإعادةترتيب المشهد، وبين التحفظات و الاعتراضات الأمريكية، يتكرر السؤال المهم .. هل المسألة داخليةبحتة أم أن القرار العراقي ما زال محكوماً بسقف القبول الدولي؟
فالمؤيدون للمالكي لا ينطلقون من عاطفة مجردة، فهم يقرءون مرحلة كانوا يرونها حاسمة في تثبيتالدولة بعد عام 2006. كما انهم يتحدثون عن سنوات فرض القانون، وعن مواجهة جماعات مسلحةكانت تتقاسم النفوذ في الشارع، وعن محاولة إعادة مركزية القرار الأمني بعد مرحلة الانفلات الطائفيالحاد انذاك . اما بالنسبة لهم، تلك السنوات رغم قسوتها فهي أعادت للدولة شيئاً من هيبتها، ورسختفكرة أن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة. ويضيفون أن شخصية المالكي تمثل نموذج رجل القرار الذي لايتردد في المواجهة، وأن تمسك الإطار به لا يأتي من فراغ فهو ناتج من قناعة بأنه عنصر توازن داخلالبيت السياسي الشيعي، وضمانة لعدم تشظي الموقف في لحظات حساسة. كما يشيرون إلى سنواتالوفرة النفطية، واتساع مشاريع البنى التحتية، وبناء مؤسسات أمنية وإدارية، معتبرين أن العراق كانيسير باتجاه استقرار نسبي قبل أن تتعقد المشهدية بتراكمات لاحقة داخلية وخارجية لا يتحملها شخصواحد.
اما في المقابل، يقف الرافضون على ضفة أخرى تماماً. فيرون أن مركزية القرار تحولت مع الوقت إلىتفرد، وأن الشراكات الوطنية ضعفت، ما ساهم في تعميق الانقسام السياسي والمجتمعي. ولا يزالسقوط الموصل عام 2014 حاضراً بقوة في خطابهم، باعتباره دليلاً على هشاشة البنية الأمنية والسياسيةآنذاك، ويعتبرون أن بعض السياسات سبقت ذلك الحدث ومهدت له بشكل أو بآخر. كما يتحدثون عنتوترات مع المحيط الإقليمي والدولي، وعن استقطاب حاد دخل فيه العراق وأثر على علاقاته الخارجية،ولا تزال ظلاله قائمة حتى اليوم. بالنسبة لهم، عودة المالكي تعني إعادة فتح ملفات لم تنتهي في الوعيالعام، وإعادة استحضار انقسام لم يندمل تماماً.
اما من خلال متابعتي الدقيقة للمشهد على امتداد سنوات، وما رافقه من تصريحات متضاربة وتقاريرمتلاحقة وانكشافات متأخرة، تبين لي أن الحقيقة ما كانت بهذه البساطة التي صورت لنا، وأن ما بداواضحاً في حينه كان في الواقع جزءاً من صورة أكبر تعمد البعض إخفاء ملامحها..
فالصورة ما كانت أحادية كما حاول بعض الإعلام آنذاك أن يرسخها. فالعراق، عبر التصاريح العلنيةوالتقارير الدولية والاعترافات اللاحقة، شهد حجم التدخلات الخارجية والإمدادات العابرة للحدود التيغذت الفوضى وأشعلت الساحة، ثم جرى لاحقاً تبادل الاتهامات حول الجهة التي كانت السبب الحقيقيفي الانهيار. فكانت لغة إعلامية صاخبة يومها سعت إلى تبسيط المشهد وتحميله لشخص واحد، حتىكادت تغلق باب النقاش أمام بقية العوامل. واليوم، وبعد انكشاف كثير من الوقائع، بات واضحاً أن ماجرى كان نتيجة تداخل قرارات داخلية مع ضغوط وصراعات إقليمية ودولية، لكن أثر تلك الرواية الأولىما زال راسخاً في أذهان شريحة واسعة من الناس، وكأنها الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل المراجعة. وهناتكمن العقدة ..بين ذاكرة صنعت تحت ضغط اللحظة، وحقائق تكشفت بهدوء بعد العاصفة.
وعند هذه النقطة المهمة يتداخل الداخل بالخارج بشكل لا يمكن إنكاره. فالتحفظ الأمريكي على المالكي (إن وجد ) لا يقرأ بمعزل عن رؤية أوسع للمنطقة. كما ان واشنطن تنظر إلى العراق باعتباره عقدةجيوسياسية حساسة، في معادلات الشرق الأوسط، وأي اسم يطرح لرئاسة الحكومة يوزن بميزانالتوازنات الإقليمية قبل أي اعتبار آخر. فمن هنا تبدو المعايير أحياناً متبدلة ، ولكن المواقف لا تقوم علىالذاكرة وحدها، فهي ترتكز على حسابات المصالح الآنية.
وهنا تفرض الحقيقة نفسها دون استئذان، فالعراق كان ولا يزال بوابة المشروع الأمريكي في الشرقالاوسط . موقعه، نفطه، وحدوده المفتوحة على بؤر الصراع، جعلت منه نقطة ارتكاز مثال على موقعهالجغرافي، وثروته النفطية وحدوده المفتوحة على محاور التوتر، وتركيبته السياسية المعقدة ،كلهاجعلت منه نقطة ارتكاز لأي نفوذ دولي يريد أن يتمدد أو يثبت أقدامه في المنطقة. ولذلك فإن اسمرئيس الوزراء في بغداد لا ينظر إليه باعتباره فقط كخيار عراقي داخلي، فهو اشارة سياسية ضمن لوحةإقليمية أكبر.
وملاحظة صريحة تلامس الواقع.. فمن يعتقد أن قرار بغداد يحسم بعيداً عن خرائط النفوذ الدولي لايحيط بالصورة كاملة، فالعراق ليس تفصيل هامش في مشروع الشرق الأوسط، فهو أحد مفاصلهالأساسية، ولهذا فإن الجدل حول المالكي أو أي شخصية بحجمه السياسي يتجاوز إطار الأشخاص إلىسؤال أعمق يتعلق بطبيعة القرار العراقي نفسه. المسألة ليست في شخص بعينه، انما في قدرة الدولةعلى أن تمارس إرادتها كاملة، بعيداً عن تأثيرات الخارج وضغوط التوازنات الإقليمية.
