الكرة العراقية على المحك

مصطفى طه الياسري

 

تقف الكرة العراقية اليوم عند منعطف حاسم بين تاريخ يبعث على الفخر وحاضرٍ يثير القلق ومستقبل لم تتضح ملامحه بعد. فمنذ عقود، شكّلت كرة القدم في العراق متنفسًا شعبيًا واسعًا وهوية وطنية ومصدرًا لفرحٍ جارف في أوقات الأزمات. غير أن هذا الإرث الكبير لم يعد كافيًا لحماية اللعبة من التراجع إذا لم يُدعَم برؤية واضحة وإدارة رشيدة.

 

العراق ما يزال أرضًا خصبةً للاعبين أصحاب المهارة والروح القتالية، والملاعب الشعبية تفرز طاقات واعدة، لكن غياب منظومة كشف مبكر وتطوير منهجي يجعل كثيرًا من المواهب تضيع قبل أن تصل إلى الاحتراف.

 

الدوري المحلي، الذي يُفترض أن يكون العمود الفقري للمنتخب الوطني، يعاني من عدم الاستقرار الإداري وضعف برامج الإعداد البدني والعلمي، فيما يظل التسويق الرياضي شبه غائب، محرومًا الأندية من موارد مالية ثابتة، وهو ما ينعكس مباشرة على التخطيط والاستمرارية. وإذا كان الدوري يعكس ضعف البنية، فإن المنتخب يدفع الثمن الأكبر.

 

فالمنتخبات الوطنية تتحمل ضغطًا يفوق طاقتها، إذ يُطلب منها تعويض إخفاقات المنظومة كاملة. صحيح أن المنتخب العراقي يملك تاريخًا مشرفًا وحضورًا قويًا في المنافسات القارية، لكن الاستمرارية في الإنجاز تحتاج إلى قاعدة متينة من الفئات العمرية ومدارس كروية منظمة، واستقرار فني بعيد عن التغييرات المتسرعة بعد كل تعثر.

 

ولا يمكن إغفال دور الإدارة الرياضية؛ فالتخطيط طويل الأمد هو الفارق بين مشروع يبني أجيالًا وآخر يلاحق النتائج الآنية. المطلوب ليس فقط مدربًا كفؤًا أو لاعبًا موهوبًا، بل منظومة شاملة واضحة، وشفافية مالية، واستراتيجية تمتد لسنوات تضع أهدافًا قابلة للقياس وتعمل على تحقيقها خطوةً بخطوة.

 

الجماهير العراقية التي تملأ المدرجات وتساند في أصعب الظروف تستحق كرة قدم تليق بولائها؛ فهي ليست مجرد متفرج، وإنما شريك معنوي في كل انتصار وخسارة. ومن دون استثمار هذا الشغف في مشروع وطني شامل ستبقى الكرة العراقية تدور في حلقة الأمل المؤجل.

 

إن واقع الكرة العراقية على المحك فعلًا؛ فإما أن تتحول التحديات إلى نقطة انطلاق لإصلاح جذري يعيد الهيبة والتنظيم، أو يستمر النزيف البطيء الذي يبدد الطاقات. الكرة ليست مجرد لعبة في العراق، بل مساحة حلمٍ جماعي وصوت فرحٍ يحتاج إلى من يحسن إدارته وصيانته. ولن نلحق بركب الجوار إلا إذا بدأنا إصلاحًا جذريًا من الداخل.


مشاركة المقال :