حوار: مصطفى طه الياسري
لم تعد أزمات الرياضة العراقية شأناً إدارياً عابراً، بل تحوّلت إلى أزمة بنيوية تمسّ التشريع، والحوكمة، وآليات اتخاذ القرار، وعلاقة المؤسسات الرياضية بالمنظومة الدولية. في هذا المشهد المعقّد، يبرز الدكتور صالح المالكي بوصفه أحد أبرز الأصوات القانونية المتخصصة في القانون الرياضي، جامعاً بين البحث الأكاديمي والخبرة العملية، وبين التشخيص النظري والمعالجة التطبيقية، ما جعله مرجعاً أساسياً في صياغة القوانين الرياضية داخل العراق وخارجه.
في هذا الحوار الخاص مع «المستقل»، يضع المالكي رؤيته القانونية أمام الرأي العام، متناولاً ملفات شائكة تبدأ من انقسام الاتحاد العراقي لكرة القدم، ولا تنتهي عند العقود، والنزاهة، والتشريعات، والانتخابات، وعلاقة العراق بالفيفا والاتحاد الآسيوي.
يؤكد المالكي أن اللجنة التنفيذية للاتحاد العراقي لكرة القدم تعيش حالة انقسام واضح بين كتلتين متصارعتين، مشيراً إلى أن يوم 26 كانون الثاني سيكون محطة حاسمة في تطبيق خارطة الطريق الصادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والاتحاد الآسيوي. ووفق رؤيته، فإن هذا الموعد سيكشف بوضوح الطرف الذي يعرقل التنفيذ، مؤكداً أن الرسالة الصادرة من الفيفا ملزمة لجميع الأطراف من دون استثناء.
وفي ما يتصل بالآلية القانونية لتشكيل رابطة دوري المحترفين، يوضح المالكي أن الحكومة أرسلت مشروع تعديل على قانون الاتحادات الرياضية رقم 24 لسنة 2021، لكنه يرى أن تشكيل الرابطة لا يتطلب بالضرورة تعديل القانون، بقدر ما يحتاج إلى تعديل النظام الأساس للاتحاد، أسوة بما هو معمول به في العديد من الدول العربية. ويشير إلى أن تأسيس الرابطة عملية معقّدة تتطلب جهداً قانونياً وإدارياً ومالياً متكاملاً، مع تأكيده أن للأندية دوراً محورياً وأساسياً في إنجاح هذه الخطوة.
وعند الحديث عن التشريعات الرياضية، يبيّن المالكي أن رئاسة مجلس النواب قد تشكّلت، غير أن اللجان الدائمة، ومن بينها لجنة الشباب والرياضة، لم تتشكّل بعد. ويشير إلى وجود عدد كبير من مشاريع القوانين الجاهزة، من بينها قانون الرياضة الموحد، وتعديل قانون الاتحادات الرياضية، وتعديل قانون الأندية، وقانون مكافحة شغب الملاعب، إضافة إلى مشروع معهد الإدارة الرياضية، مؤكداً أن هذه القوانين ستُعرض جميعها فور تشكيل اللجنة المختصة.
ويشدد المالكي على أن أي تشريع رياضي يجب أن يراعي البعد الدولي، ولا سيما علاقة العراق بالفيفا، لتجنّب أي تدخل من أطراف ثالثة. وفي هذا السياق، ينتقد قانون الاتحادات الرياضية رقم 24 لسنة 2021، معتبراً أنه لم يُراعِ هذا البعد الدولي، ويعاني من ثغرات قانونية واضحة تستوجب مراجعة دقيقة ومعمّقة.
وفي ملف العقود والحقوق، يكشف المالكي أن الاتحاد العراقي لكرة القدم يعتمد عقداً نموذجياً في تعاقداته، إلا أن هذا العقد، بحسب وصفه، مليء بالثغرات، كونه منقولاً من دول لا تتشابه تشريعاتها مع البيئة القانونية العراقية. ويحذّر من استمرار العمل بهذا النموذج، داعياً إلى معالجته بشكل عاجل لتفادي أزمات قانونية محتملة مع الفيفا والاتحاد الآسيوي. كما يوضح أن الاتحاد يعتمد، وفق المادة 65 من نظامه الأساس، على محكمة التحكيم الرياضية الدولية (CAS) بدلاً من مركز التسوية والتحكيم الرياضي العراقي.
أما في ما يتعلق بملف النزاهة والرقابة، فيشير المالكي إلى عدم وجود قوانين خاصة بالنزاهة الرياضية، موضحاً أن هناك نصوصاً عامة فقط، من بينها المادة 33 من قانون الاتحادات الرياضية التي تمنع تضارب المصالح، لكنها – بحسب قوله – لا تُطبّق على أرض الواقع. ويضيف أن الرقابة المالية قائمة من خلال ديوان الرقابة المالية، ولجنة الشباب والرياضة البرلمانية، ووزارة الشباب والرياضة بصفتها أعلى سلطة حكومية معنية بالقطاع الرياضي.
وعن مؤلفاته، يوضح المالكي أنه أصدر ستة كتب متخصصة في القانون الرياضي، وصلت إلى مكتبات وجامعات في مصر، والأردن، ولبنان، وسوريا، والكويت، وقطر، والسعودية، فضلاً عن وجود طلبات من الجزائر ومصر. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى معاناته من حالات سرقة أدبية دون الإشارة إلى المصدر، معتبراً ذلك خللاً واضحاً في النزاهة العلمية. كما يؤكد أنه قدّم العديد من الدورات المتخصصة في القانون الرياضي داخل العراق وخارجه، بهدف نشر الوعي القانوني في الوسط الرياضي.
وفي ما يخص الانتخابات المقبلة للاتحاد العراقي لكرة القدم، يرى المالكي أن رئيس الاتحاد عدنان درجال يبذل جهوداً كبيرة لإعداد المنتخب الوطني للتأهل إلى كأس العالم، مشيراً إلى أن تأجيل الانتخابات يصبّ في مصلحته من هذه الزاوية. لكنه يوضح في المقابل أن درجال لا يسعى إلى تأجيل طويل، بل إلى تأجيل محدود لبضعة أيام فقط، تفادياً لتزامن موعد الانتخابات أو تشكيل لجانها مع موعد الملحق العالمي.
أما بشأن عقد المدرب الإسباني كاساس، فيؤكد المالكي أن المؤسسات الرقابية، ومنها لجنة الشباب والرياضة البرلمانية، وديوان الرقابة المالية، وهيئة النزاهة، تملك الحق الكامل في تدقيق العقد. ويشير إلى أن العقد يحتوي على ثغرات قانونية عديدة، نافياً أن تكون قيمته خمسة ملايين دولار كما يُشاع، ومؤكداً أن المبلغ أقل من ذلك. ويعزو الإشكالية الأساسية إلى ضعف التفاوض والصياغة القانونية، مقترحاً إعادة العمل بتجربة تشكيل لجنة خاصة لصياغة عقود المدربين الأجانب، كما كان معمولاً به في السابق.
بهذا الطرح المفصّل، يقدّم الدكتور صالح المالكي قراءة قانونية شاملة للتحديات التي تواجه الرياضة العراقية، من التشريعات إلى العقود، ومن الحوكمة إلى النزاهة والرقابة. لقاء تتجاوز أهميته حدود التصريح الآني، ليشكّل مادة قانونية وفكرية يمكن أن يعتمد عليها صنّاع القرار في مسار إصلاح رياضي بات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
