أواعدك بالوعد … !!

عبدالسادة البصري

أردتُ أن أتصرفَ بالمثل المعروف (أواعدك بالوعد وأسگيك يا كمّون) وأغيّر جوابه إلى (وأسقيك خراباً ) لينطبق علينا بكلّ حروفه ومعناه جملةً وتفضيلا !!

منذ عام 2003 وبعد سقوط النظام الفاشي المقبور، انهالت الوعود بتحقيق الأماني والاحلام بكلّ اشكالها والوانها علينا،، من خلال وعود وعهود وتصريحات وشعارات من كلّ مَنْ جلسَ على كرسي الحكم وتسلّمَ زمام البلاد والعباد من أكبر مسؤول في اعلى الهرم الى اخر تسلسل القائمة، فجعلونا نحلم ونحلم ونحلم، وكأننا بين ليلة وضحاها سننسى كلّ ما مرَّ علينا من ضيم وقهر وظلام، بفعل ما سيكون بعد التغيير والتحوّل نحو الأحسن والأفضل في كل شيء كما قالوا ومازالوا يقولون، وستعمّ السعادة والخير البلاد وتمتلئ النفوس والقلوب بالمحبة وتسمو الأخلاق الحميدة عالياً عاليا، ويُسدل الستار على ليل الظلم والحروب والموت والخراب والخوف والقلق!

لكن أحلامنا هذه كانت وما تزال سراباً ومجرّد احلام فقط للأسف، وكلّ ما تمنّينا أن يصير لم يتحقق أبدا، واتّضح أن الوعود عرقوبية وما تزال وستبقى على عرقوبيتها، صرنا نتلمّس طريقنا عبر دهاليز مظلمة، وبتنا على الطوى، ازداد الخوف والرعب بفعل الفساد المستشري و الإرهاب بكلّ اشكاله وانواعه والقتل العشوائي وتكميم الافواه والموت المجاني وتدنّي الاخلاق، فهاجرت العقول وطارت العصافير وماتت الأحلام في مهودها، وتحوّل نهارنا وليلنا إلى دمٍ يسيل في الشوارع، ومدنٍ تزداد بؤساً وخرابا، ورائحة الفساد المشرعن بلا حسيب او رقيب تزكم الأنوف، وذهب كلّ شيءٍ حَلَمْنا ان يتحقّق بعد انقشاع الغمة أدراج الرياح، ولأننا لا نعرف الاّ الحلم والامنيات، مازلنا نتشبّث بما بقي من أحلامنا عسى ولعل أن يثمر أحدها!

كل هذه السنوات وصناعتنا متوقّفة، كما انعدمت الزراعة فصرنا نستورد حتى الطماطة والكرفس والماء العذب، ومستقبل أبنائنا بات مجهولاً أمام تدهور التربية والتعليم وسوء الخدمات وانتشار المحسوبية والمنسوبية والحزبية والفئوية في كل زوايا ومفاصل البلاد!

صار الرصاص يلعب في أجوائنا كلما دقّت أبوابنا بشائر فرحٍ ما فوز في مباراة او حفلة عرس او دگة عشائرية او مشاجرة، أو مات احدهم!

تغيّرت أخلاقنا وصار الأخ لا يحبّ أخاه، والجار يؤذي ويسرق جاره، والزوج يمعن في تعنيف واهانة زوجته، والأطفال بين الحابل والنابل ضاعت كل رؤاهم المستقبلية، أصبحنا لا يحترم بعضنا البعض في الشارع أو العمل أو عند مراجعة أي دائرة ما، كأننا في غابةٍ، القويُّ فيها يأكل الضعيف، والغنيّ يستعبد الفقير، والموظف يستهين بالمُراجع، والسائق يزدري الركّاب وهكذا دواليك، بتنا لا نعرف كيف نتصرف وكأننا ممسوسون بشيء من الكره لبعضنا !!

وعلينا ان ندرك جيداً ، إذا أردنا أن ينصلح حالنا حقاً، ويتحول الخراب والكمّون إلى إعمارٍ وشهدٍ وسعادة وحضارة، علينا أن نرمي كل ما يمتّ للخراب والفساد وسوء الخلق والمحسوبية والطائفية والأنانية والحقد جانباً، ونبدأ ببناء أنفسنا وإنساننا أولاً، وتطهيرنا من كل شائبة ونفتح صفحاتٍ من المحبّة والأخوّة ونكران الذات والإحساس الحقيقي بالانتماء للوطن والناس!

عند ذلك سيتحقّق ما حَلمْنا به ذات يوم ويكون خيراً وسعادة، ونغيّر المثل إلى وعدك يتحقق بالمحبة وستنمو وتزهر يا كمّون!

 


مشاركة المقال :