من نورييغا إلى مادورو حين تقرر واشنطن أن الوقت قد حان

فاروق الرماحي  ديترويت

في ظلّ الأحداث المتسارعة جاءت عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته  فيعملية خاطفة لم تستغرق سوى ساعات قليلة كزلزال سياسي هزّ النظام الدولي وأربك عواصم القرار.

حدثٌ لم تستوعبه معظم دول العالم حتى اللحظة ولم تجد له توصيفًا قانونيًا واضحًا سوى أنه فعلقوة صريح أعاد إلى الأذهان مشاهد اعتقال الجنرال البنمي مانويل نورييغا قبل ستةٍ وثلاثين عامًا حيناقتحم الجيش الأميركي بنما عام 1989 وجرى اعتقاله  ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته وفقالقانون الأميركي.

اليوم وبعد أكثر من ثلاثة عقود يبدو أن المشهد يعيد نفسه ولكن بأدوات أكثر سرعة وجرأة .

وهنا يبرز السؤال

هل أصبح القانون الأميركي عابرًا للحدود ويُحاكم رؤساء دول ذات سيادة خارج الشرعية الدولية؟

وإذا صحّ ذلك  فماذا تبقّى من مفهوم السيادة الذي قام عليه النظام الدولي !

قضية مادورو لا يمكن فصلها عن التحوّل الجذري في صورته السياسية. فالرجل الذي قدّم نفسهلسنوات كقائد يساري وامتداد لإرث هوغو تشافيز ورافعاً لشعارات مناهضة الإمبريالية تحوّل وفق الروايةالأميركية إلى زعيم متهم بإدارة شبكة معقّدة لتجارة المخدرات تمتد من كولومبيا إلى الولايات المتحدةبدوافع أيديولوجية وسياسية في منطقة لا تبعد سوى نصف ساعة جوًا عن الأراضي الأميركية.

هذا التحول سواء اتفق العالم مع توصيفه أو رفضه كان أحد المفاتيح التي استخدمتها واشنطن لتبريرقرارها وتحويل المعركة من صراع سياسي إلى ملف جنائي عابر للحدود .

لكن السؤال الأخطر يظل هل مادورو حالة استثنائية أم نموذج قابل للتكرار؟ خصوصًا أن الرئيس الأميركيدونالد ترامب لم يكتفِ بالتحذير الضمني بل سمّى دولًا بعينها صراحة ملوّحًا بأن ما جرى في فنزويلا قدلا يكون الأخير .

هنا يتحول الحدث من واقعة معزولة إلى سابقة خطيرة تفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقات الدوليةعلى قاعدة القوة بدل القانون .

اللافت أن الترحيب بالعملية اقتصر على عدد محدود جدًا من الدول في مقابل موجة إدانات واسعةشملت قوى كبرى مثل الصين وروسيا وهما من أبرز حلفاء فنزويلا .

هذا الانقسام الدولي لا يعكس دفاعًا عن مادورو بقدر ما يعكس خوفًا من تكريس منطق جديد  منطقيسمح للقوة العظمى باعتقال رؤساء دول إذا تعارضوا مع مصالحها أو خرجوا عن قواعد اللعبة التيترسمها .

في  الولايات المتحدة نفسها لم يكن الإجماع حاضرًا .

الجمهوريون رأوا في العملية استعادة لهيبة الردع الأميركي ورسالة حاسمة لما يسمونه ( الدول المارقة ) معتبرين أن أمن الولايات المتحدة يبدأ خارج حدودها .

في المقابل حذّر الديمقراطيون من أن هذا المسار يقوّض النظام الدولي ويعيد أميركا إلى منطقالتدخلات المفتوحة التي كلّفتها كثيرًا سياسيًا وأخلاقيًا وقد تفتح عليها أبوابًا لا يمكن إغلاقها .

أما في الداخل الفنزويلي فقد كشفت العملية عن انقسام عميق .

معارضة خجولة وجدت نفسها بين نشوة سقوط الخصم وخشية الارتهان لتدخل أجنبي وقاعدة شعبيةموالية لمادورو وحزبه رأت فيما جرى اختطافًا وعدوانًا سافرًا على السيادة الوطنية . وبين الطرفين دولةبدت عاجزة عن حماية رأسها السياسي ما يفتح باب التساؤل حول ما إذا كان ما جرى نتيجة اختراق داخلالجيش أم خيانة من وحدة الحماية الخاصة بالرئيس مادورو؟ أم أن الدولة نفسها كانت قد تآكلت منالداخل.

توقيت العملية لم يكن محض مصادفة إذ جاءت بعد ساعات من لقاء وفد صيني رفيع في كاراكاس، فيرسالة واضحة لبكين بأن التمدد في (الحديقة الخلفية ) لواشنطن لن يمرّ دون رد .

إنها رسالة إلى التنين الصيني وإلى غيره من القوى الصاعدة بأن خطوط النفوذ ما زالت تُرسم بالقوة حينتعجز الدبلوماسية .

يبقى السؤال الأوسع هل وصلت الرسالة؟

وهل استوعبتها الصين وبقية الدول أم أن ما جرى سيدفعها إلى مزيد من التحدي وبناء تحالفاتمضادة؟

في النهاية لا بد من التذكير بحقيقة غالبًا ما يغفل عنها وهي ان الدول الكبرى لا تتحارب مباشرة في مابينها بل تتصارع على المصالح والنفوذ .

وآخر حرب مباشرة بين قوى كبرى كانت في الحرب العالمية الثانية وما نعيشه اليوم هو نتاج تلك الحربالكونية صعود دول وسقوط إمبراطوريات كانت لا تغيب عنها الشمس .

وما جرى في فنزويلا ليس سوى حلقة جديدة في هذا الصراع الطويل .

ويبقى السؤال الحاسم والأهم

عن علاقة القارة الأمريكية بين شمالها وجنوبها

هل نحن أمام وصاية جديدة بوجه مختلف أم عودة صريحة لمنطق الانقلابات والاعتقالات العابرةللحدود؟

وهل تستطيع جنوب القارة كسر معادلة ( الحديقة الخلفية ) أم أن التاريخ يعيد نفسه بأسماء وذرائعجديدة .


مشاركة المقال :