ميسي… وداع أخير على أرضه بتصفيات المونديال

 

المستقل – حارث أحمد

على أرضية “المونومينتال” في بوينس آيرس، عاش عشاق كرة القدم واحدة من الليالي التي ستظل عالقة في الذاكرة، حين اختتم ليونيل ميسي مشواره في المباريات الرسمية على أرضه ضمن تصفيات كأس العالم، وقاد الأرجنتين لفوز عريض على فنزويلا بثلاثية نظيفة، سجّل منها هدفين، وكأنه أراد أن يرسم توقيعه الأخير على هذه الصفحة الطويلة من مسيرته.

منذ اللحظات الأولى، بدت الأرجنتين بطلة العالم متحكمة في إيقاع اللقاء. فرص متتالية صنعها تاليافيكو وماستانتونو اصطدمت بتألق الحارس الفنزويلي رافائيل رومو، لكن الدقيقة 39 حملت الانفراج: هجمة مرتدة خاطفة قادها خوليان ألفاريز انتهت بين قدمي القائد، ليرسل ميسي كرة بيسراه في الزاوية العليا، هدف أعاد إلى الأذهان أهدافه الكلاسيكية التي لطالما صنعت الفارق.

في الشوط الثاني، واصل المنتخب الأرجنتيني ضغطه، وكان ميسي محور كل هجمة تقريباً. الدقيقة 76 جاءت لتمنح لاوتارو مارتينيز فرصة تعزيز التقدم برأسية قوية بعد عرضية من نيكو غونزاليس. وبعد أربع دقائق فقط، كان الجمهور على موعد مع لحظة خاصة: تمريرة تياغو ألمادا وجدت ميسي داخل المنطقة، ليكمل الأمسية بهدف ثالث، يرفع رصيده القياسي إلى 36 هدفاً في تاريخ تصفيات أميركا الجنوبية.

لكن خلف هذه الأرقام، كان هناك بعد آخر أكثر عمقاً. ميسي، الذي بلغ 38 عاماً، تحدث بعد المباراة بنبرة يختلط فيها الفخر بالحنين: “أن أنهي مشواري بهذه الطريقة هنا وسط شعبي هو ما حلمت به دائماً”. ثم أضاف: “لسنوات طويلة حظيت بمودة جمهور برشلونة، وكان حلمي أن أحظى بذلك في بلدي أيضاً”. كلمات تعكس رحلة امتدت من شوارع روساريو إلى قمة العالم، ومن مدرجات “كامب نو” إلى مدرجات “المونومينتال”.

الجماهير التي ملأت المدرجات لم تكن تحتفل بانتصار عادي، بل تودّع رمزاً عاش معها الانتصارات والانكسارات. لم يُعلن ميسي اعتزاله بعد، لكنه أوضح أن النهاية تقترب: “إنه ليس شيئاً أحبه أو أريده، لكن الوقت يمضي وقد مرت سنوات عديدة”. جملة تختصر معادلة صعبة: أسطورة يريد الاستمرار، وزمن لا يتوقف.

هذا الوداع الرمزي يفتح الباب أمام أسئلة كبرى: هل سيكون مونديال 2026 آخر ظهور دولي لميسي؟ وهل يستطيع أن يقود الأرجنتين إلى مجد جديد كما فعل في قطر؟ الأكيد أن ما جرى أمام فنزويلا لم يكن مجرد مباراة، بل لحظة انتقالية في مسيرة لاعب شكّل وجدان جيل كامل من عشاق اللعبة.

الأرجنتين حجزت بطاقتها إلى البطولة العالمية منذ وقت مبكر، لكنها احتاجت هذه الأمسية لتعيد التذكير بأن كرة القدم ليست فقط منافسة ونتائج، بل أيضاً مشاعر وذكريات وأيقونات تودّعنا ونحن نتمسك بها أكثر. وميسي، بمهاراته وبسحره وبدموعه أحياناً، جسّد ذلك بأبهى صورة.

ربما لن تُسجَّل هذه المواجهة ضمن أهم محطاته الكروية، لكنها ستظل واحدة من أكثرها تأثيراً: ليلة قال فيها ميسي وداعاً لجماهير بلاده في تصفيات المونديال، وتركها في حوار طويل مع الزمن ومع فكرة النهاية التي لا يريد أحد أن يعترف بها.


مشاركة المقال :