حوار : فاطمة الراوي
يُعدّ التحرش من أخطر السلوكيات العدوانية التي تتخفّى أحيانًا خلف الصمت أو التبرير الأجتماعي، لكنه في جوهره انتهاك صريح لكرامة المرأ، وحقها في الأمان وقد تحوّل التحرش إلى ظاهرة مقلقة، تهدد الأمن المجتمعي، في الشوارع، ووسائل النقل، وأماكن العمل، وحتى في الفضاء الرقمي، تتكرر وقائع التحرش وسط صمتٍ مريب أو تبريرات أخطر من الجريمة ذاتها وهو فعل عدواني مكتمل الأركان، لا يحتاج إلى تأويل أو تزويق لغوي ولايقتصر التحرش على شكل واحد بل يتخذ صورًا متعددة، تبدأ بالكلمات (كلمة جارحة) والإيماءات، نظرة فاضحة، لمسة قسرية، أو رسالة خادشة، جميعها تشترك في كونها اعتداءً صريحًا سواء جسدي أو نفسي، مما يجعله جريمة مركبة الأثر تمتد نتائجها إلى حرية الفرد وسلامته النفسية والمجتمع على حدّ سواء . ورغم وضوح الجريمة، غالبًا ما يُترك الجاني بلا مساءلة، فيما تُحاصر الضحية بالشكوك واللوم .
وهنالك صفة متفشية او ثقافة جديدة وهي تبرير جريمه التحرش وهنا نعلم بأن الأخطر من التحرش نفسه هو البيئة التي تسمح بحدوثه. ثقافة مجتمعية كاملة تُعيد إنتاج الخطأ، وتبحث عن مبررات للجاني، وتوجّه أصابع الاتهام إلى الضحية: مظهرها، وجودها، صمتها أو حتى شكواها. وأن قالوا ان البنت أخطأت فهل يعالج الخطأ بالجريمة هذا الخطاب لا يحمي المجتمع، بل يشرعن العنف ويمنحه غطاءً اجتماعيًا.
وهنا يأتي السؤال..
هل التحرش سببه ازمة تربية او ثقافة حيوانية أم ضعف الإجراءات القانونية ؟
وللوقوف على اسباب هذه الظاهرة التقت ” المستقل ” مع الأستاذة الجامعية وطبيبة الاختصاص الدكتورة ” فرح كاظم ” لتسألها عن هذه الظاهرة ،
تقول الدكتورة فرح ”
أن ظاهرة التحرش ليست جديدة، وربما السؤال الذي نواجهها ودائماً : ممن الخلل؟
وتواصل الدكتورة فرح حديثها وتقول :
دعونا نستعرض الموضوع ونرى …
جذور هذه الظاهرة، هل هي البيئة ام البيت او التربية .
لدينا في مجتمعنا كما هو معروف ان الفعل الذكوري هو الطاغي ، فمن الطبيعيان يخطأ الشاب ، ولكن خطأ الفتاة خط احمر وجريمة لا تغتفر .
يمكن للشاب في العائلة ان يصادق من يشاء من الفتيات .. لكن الويل لاخته ان تفكر حتى بنظرة عابرة غير مقصودة لشاب .
كما يحبذ ان يكون وقحاً جسورا يتحرش بمن يشاء دون خجل .. اما الفتاة عليها ان تكون مقموعة ، و تحمل الويل والمصائب برضى وسكوت، حتى لو عاكسها شاب دون رضاها او قبولها، انها ظاهرة ظلم اجتماعي، غير مبرر سوى بالأعراف والتقاليد .
وهذه ليست دعوة للانفلات ولكن دعوة للتوازن وضبط حركة الشباب ، كما الفتيات.
ولدينا أعراف ، و قيم اجتماعية ممكن ان نطلق عليها بالقيم القاهرة ومنها مثلا ً في بعض عوائلنا ان الابن ” الشاب ” في العائلة هو من يتحكم بمصير أخواته يمنعهن من الخروج او اختيار الملابس او حتى. علاقاته مع الفتيات الأخريات ( وان لزم يضربهن) ..والاخوات عليهن الاطاعة .
وهذا التفكير يؤدي الى:
تطبيع العنف داخل الاسرة.. وتحميل الضحية المسؤولية منذ الصغر. فالفتاة. مذ ولادتها فهي متهمة .
وعلينا ان نتسائل ، هل ظاهرة التحرش طبيعة بشرية وهل الطفل ” الولد ” يولد متحرشاً..
ربما تكون ظاهرة الميل للأنثى شيء طبيعي ، ولكن التحرش فعل مستهجن ، وناتج عن غياب التربية الصحيحة، فالشاب يتربى على ان انساناً منقوص الحقوق.
اداً التربية عمل أساسي في زرع القيم والمثل في داخل الطفل .
ثم يأتي دور القانون الرادع للمستهترين والشاذين ، فالقوانين المتراخية تدفع البعض للتمادي ، ناهيك عن دخول الأعراف العشائرية في تنمية هذا السلوكً المستهجن فعلى سبيل المثال : صعوبة التبليغ عن حالة التحرش والخوف من الفضيح.
لوم الضحية بدل حمايتها، وكذلك إفلات المتحرّش من العقاب وهذا تشجيع غير مباشر على التمادي في الاستهتار .
لذا على القانون ان يحمي الضحية ، وعلى الدولة ان تكون حازمة في هذا الأمر فالدولة التي لا تحمي.. و تُشرعن الصمت ، تكون شريكة في تنامي مثل هذه الظواهر !!.
لنأتي إلى دور المجتمع في تشجيع هذه الظاهرة ولو بشكل غير مباشر .
– [ ] الفتاة التي تتعرض للتحرش، احياناً تأتي لاهله وتخبرهم بحالة التحرش، فيكون الجواب : اسكتي، سُمعتكِ ، لماذا خرجت ، ربما ابتسمتي وقمت بفعل جعله يتحرش بك ؟ وهذه عملية اتهام و مهاجمة الضحية بدل محاسبة الفاعل، يجعل الاخر اكثر صعوبة في معالجة الظاهرة.
ويمكننا ان نقول ان صمت المجتمع “يشجع سوء التربية” و يدعم “تقصير الدولة”
ونخلص بالقول
التحرّش ليس سببه التربية أو الحكومة.. بل إنه نتيجة خلل “منظومة اجتماعية كاملة”:بيت يبرّر ، مجتمع يلوم ، ودولة لا تحمي
نستنتج من كلام الدكتورة فرح أن ثلاثية التقصير تأتي اولا من البيت ثم الدولة ثم المجتمع الذي يؤدي إلى استهتار المجرمين.
التحرش ليس قدرًا محتومًا ولا سلوكًا يمكن التعايش معه. إنه جريمة علنية تستدعي موقفًا علنيًا. فإما أن يقف المجتمع في صف الضحية، أو يواصل صمته شريكًا في الجريمة. والسكوت هنا… ليس حيادًا، بل تواطؤ. والقانون الإلهي ناقة صالح عقرها تسعة ولكن مجتمع كان راضيا فاهلك الله القوم بجريرة التسعة
