يُعدّ الخطاب السياسي أحد أهم أدوات التأثير في تشكيل الرأي العام وتوجيه مواقف الجماهير. فهو لا يقتصر على نقل المعلومة أو شرح المواقف الرسمية فحسب، بل يتجاوز ذلك ليصبح ممارسة رمزية تعبّر عن موازين القوى، وتُعيد إنتاج الشرعية أو نزعها، وتؤطّر الواقع وتضع تصوراً لما يجب أن يكون عليه المستقبل، أضافة لكونه يساهم في تحديد خيارات ومواقف الجماهير في القضايا السياسية، فالخطاب السياسي، بوصفه تفاعلاً لغوياً واستراتيجياً، يوظّف البلاغة والإقناع، ويرتكز على السياقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي يُنتَج فيها.
مع اقتراب موعد الانتخابات العراقية، يتصاعد الخطاب الطائفي بين الكتل السياسية، فيظهر ذلك بوضوح في خطابات بعض القيادات السياسية. فقد خرج منذ ايام رئيس مجلس النواب العراقي السابق والأمين العام لحزب تقدم، السيد محمد الحلبوسي، مع أحد مرشحي قائمته في إحدى المناطق السنية قائلاً: «هذا سُني، وخوش زلمة». وفي الوقت نفسه، ترفع قائمته شعار «نحن أمة»، في إشارة ضمنية إلى أن «السنة أمة». والسؤال هنا: كيف يمكن أن تكون هناك أمة داخل أمة واحدة في حيز الدولة الوطنية (الدولة الأمة – Nation-State )، علماً أن الحلبوسي لم يكن حالة نادرة في الوسط السني، فهناك من يتبنى الخطاب الطائفي أكثر منه !
أما في السياق الشيعي، فيرفع السيد عمار الحكيم شعاراً انتخابياً يقول: «لا تضيّعوها». وهو شعار يحمل دلالات رمزية طائفية واضحة، إذ يعبّر بعض مرشحي تحالف قوى الدولة، التابع للحكيم، صراحةً عن أن المقصود بالشعار هو الحفاظ على سلطة ونفوذ «الشيعة» كجماعة سياسية، المفارقة الكبيرة أن الحكيم، الذي يسوّق لنفسه بوصفه الأكثر اعتدالاً، يناقض بهذا الشعار حتى اسم تحالفه “قوى الدولة” فـ«الدولة الوطنية» بوصفها المعاصرة، حاضنه للتنوع الاجتماعي، ولا ينبغي أن تُختزل السلطة فيها في جماعة دون أخرى !
ورغم أن غالبية الكتل السياسية تتبنى الخطاب الطائفي، لكن طرح هذين النموذجين (( الحلبوسي / الحكيم)) يكتسب أهمية لأنهما يقدّمان نفسيهما على أنهما الأكثر اعتدالاً، وقد سألت يوماً أحد المقربين من السيد الحكيم مرة عن هذا التناقض بين خطابه الانتخابي وخطابه بعد الانتخابات، فكان جوابه صريحاً: «الوطنية ما توكّل أصوات». بهذه اللغة يتم تلخيص المعضلة !
ما عرفناه من خلال التجربة العراقية، ومن خلال دراستنا الأكاديمية هو إن للخطاب الطائفي تداعيات خطيرة على المجتمع العراقي، إذ يُعدّ عاملاً رئيساً في تفكك النسيج الاجتماعي وزيادة حدة الصراعات الداخلية، وما تنظيم داعش الإرهابي إلا نتيجة حتمية لتلك الخطابات الطائفية التي سادت في فترات سابقة وقتها، لكن ومع ذلك، لم تتعظ القوى السياسية من آثار هذا النهج
والمفارقة التي أعتدنا عليها عراقياً هو أن الخطاب الطائفي غالباً ما يتلاشى بعد الانتخابات، ليبدأ بعدها التفاهم وتقاسم السلطة مع «أعداء الأمس» حسب وصفهم، هذا السلوك السياسي كرّس هيمنة الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية، وجعل المجتمع العراقي اليوم يعيش في ظل انقسام حادّ، بلا هوية وطنية جامعة، شعب بلا «أمة واحدة» تجمع أبناءه في إطار مصالح مشتركة ومصير مشترك وذاكرة جماعية، بل بات عدد من الجماعات التي تعرّف نفسها بهويتها الفرعية ((المذهبية أو القومية)) قبل الهوية الوطنية العراقية !
