مصطفى طه الياسري
في لحظةٍ كانت فيها الجماهير العراقية تترقب الفرح، جاء الخروج من الملحق كصفعةٍ أعادت فتح الجراح القديمة. لم يكن الأمر مجرد خسارة مباراة، بل انكشافًا لواقعٍ كرويٍّ مضطرب، تتداخل فيه الأخطاء الفنية مع العثرات الإدارية، وتضيع فيه هوية المنتخب بين الأسماء والتجارب.
في هذا السياق، أجرينا لقاءً خاصًا مع الدكتور رياض عبد العباس، اللاعب الدولي السابق والمحلل الفني المعروف، الذي تحدث بصراحة عن أسباب الإخفاق، وسبل الإصلاح، ورؤيته لمستقبل الكرة العراقية.
ما الحل الواقعي لإعادة بناء المنتخب العراقي بعد الخروج من الملحق؟
قال الدكتور رياض عبد العباس إن أولى خطوات الحل تبدأ باستقالة الاتحاد الحالي، وإعادة بناء اتحاد قوي يضم مختصين ولجانًا فنية حقيقية. وأوضح أن الاتحاد الحالي مفرغ من الخبرات، ويعتمد على اجتهادات شخصية أدت إلى تدهور المنظومة.
وأضاف أن المنتخب يضم عناصر جيدة، لكن غياب الاستقرار والتغيير المستمر في التشكيل أفقد اللاعبين الثقة والروح، مشيرًا إلى أن بعض الأسماء تفتقر للحافز، وهو ما ينعكس على الأداء الجماعي.
هل ترى أن الجهاز الفني تعامل بشكل مثالي مع المباراة الأخيرة؟
أوضح عبد العباس أن الجهاز الفني أخفق في المباراتين، وخصوصًا في المباراة الأولى التي شهدت إشراك بشار رسن رغم ابتعاده الطويل عن المنتخب، معتبرًا ذلك “قرارًا انتحاريًا”.
وأضاف أن شيركو لم يكن جاهزًا بدنيًا أو ذهنيًا، وكان من الأفضل أن يُدار الشوط الأول بتحفظ دفاعي، ثم يتم الزج بالأوراق الهجومية في الشوط الثاني، خاصة مع تراجع اللياقة لدى المنتخب السعودي.
وأشار إلى أن إشراك زيدان وإقبال ويوسف الأمين منذ البداية لم يكن موفقًا، وكان من الأنسب استخدامهم كورقة رابحة لاحقًا.
كيف تقيم الحالة الذهنية للاعبين؟
قال عبد العباس إن الجانب الذهني للمنتخب ضعيف جدًا، وإن الثقة مهزوزة بشكل واضح. وأضاف أن اللاعبين لم يتمكنوا من الاحتفاظ بالكرة أو استخلاصها، ما يعكس فقدانهم للثقة بأنفسهم.
وأشار إلى أن الضغوط الجماهيرية السعودية أثرت على اللاعبين، خاصة أن معظمهم يفتقر للخبرة، رغم أن الإعلام العراقي كان داعمًا في هذه المرحلة.
وأكد أن غياب الشخصية القيادية داخل الملعب ساهم في تراجع الأداء تحت الضغط.
هل يمتلك المنتخب قاعدة شابة للبناء؟
أكد عبد العباس أن المنتخب يضم عناصر شابة واعدة، وكان من الممكن أن يشكل نواة لفريق مستقر لعشر سنوات قادمة، لكنه شدد على أن غياب الاستقرار الفني والإداري يقتل الإبداع.
وأضاف: “لا يمكن للاعب أن يبدع وهو يعيش قلقًا دائمًا من الاستبدال. نحتاج إلى جهاز فني ثابت، وثقة متبادلة، ومباريات كبيرة تمنح اللاعبين الخبرة، إلى جانب رفد المنتخب بأسماء بارزة من دوري محلي قوي فنيًا.”
من يتحمّل مسؤولية ما وصلت إليه الكرة العراقية؟
قال عبد العباس إن المسؤولية لا تقع على طرف واحد، بل على المنظومة بأكملها. وأوضح أن الجانب الحكومي لا يكفي أن يقدّم الأموال، بل يجب أن يتدخل في التفاصيل، ويحاسب على الهدر والفوضى.
وأضاف: “الحكومة يجب أن تكون سبّاقة في الإصلاح، لكننا لم نرَ حسمًا حقيقيًا. الاتحاد لم يضع أهدافًا أو استراتيجيات، واللاعبون أنفسهم يتحملون جزءًا من المسؤولية بسبب غياب الانضباط، والانشغال بالشهرة والمال على حساب الأداء.”
هل يمتلك الاتحاد رؤية واضحة لتجاوز المرحلة؟
أجاب عبد العباس بحزم: “الاتحاد الحالي لا يملك أي رؤية، والدليل هو ما وصلنا إليه. هذه الحقبة يجب أن تنتهي، لأنها مليئة بالعبث الإداري والمشاكل التي أرهقت الجميع.”
وأضاف أن الحديث عن تطوير الكرة العراقية في ظل هذا الاتحاد ضربٌ من الخيال، داعيًا إلى تشكيل منظومة إدارية جديدة بفلسفة واضحة ورؤية مهنية تليق بطموحات الجماهير.
ما الرسالة التي توجهها للجمهور العراقي بعد هذه الخيبة؟
قال عبد العباس إن الجمهور العراقي وفيّ وواعٍ، ويستحق منتخبًا يليق به. وأضاف: “رسالتي لهم: لا تفقدوا الأمل، لكن طالبوا بالتغيير الحقيقي. الكرة العراقية لن تنهض إلا إذا اجتمع الصدق مع الإرادة، والخبرة مع الرؤية. أنتم القلب النابض، وصوتكم هو البداية.”
في حديثه، لم يكن الدكتور رياض عبد العباس مجرد محلل يشرح ما جرى، بل كان شاهدًا على مرحلة، وناقدًا أمينًا لواقعٍ يحتاج إلى شجاعة في المواجهة أكثر من حاجته إلى تبريرات.
خرجنا من هذا اللقاء بقناعة أن الإصلاح ممكن، إذا ما اجتمع الصدق مع الإرادة، والخبرة مع الرؤية.
ولعلّ أولى خطوات الطريق تبدأ من هنا… من صوتٍ صادقٍ يقول الحقيقة، لا ليُدين، بل ليُضيء.
