محمد عبد الجبار الشبوط
حين طرح تشارلز داروين نظريته عن “الانتخاب الطبيعي” في القرن التاسع عشر، بدت لأول وهلة وكأنهاقطيعة معرفية مع التصور الديني الكلاسيكي لخلق الكائنات. ومنذ ذلك الوقت، انقسم العالم إلىمعسكرين: أحدهما يرفع راية العلم ويُنكر الغائية، والآخر يتمسك بالتفسير الخَلقي الجامد وينكر التطور. غير أن كلا الموقفين يتجاهلان إمكان وجود قراءة توحيدية متصالحة مع العقل والعلم معًا.
في مشروع الدولة الحضارية الحديثة، نؤمن بأن العلم لا يجب أن يكون خصمًا للدين، ولا الدين عائقًاأمام العلم، بل أن هناك مساحة معرفية رحبة يُمكن فيها للعلم أن يُفَسَّر في ضوء مقاصد الوحي،والعكس.
ومن هذا المنطلق، نطرح السؤال:
هل الانتخاب الطبيعي نقيض للإرادة الإلهية، أم أحد تجلياتها؟
القرآن يحدثنا عن سنن ثابتة تحكم الكون:
“فلن تجد لسنة الله تبديلا” (فاطر: 43)
“سنة الله في الذين خلوا من قبل” (الأحزاب: 38)
وهذه السنن تشمل الوجود الفيزيائي، والتاريخ البشري، والتكوين الحياتي. هي قوانين عقلانية منتظمة،لا عشوائية، تجري في الخلق بإرادة الله لا رغمًا عنه.
وعندما نتأمل في مفهوم الانتخاب الطبيعي — بوصفه آلية بقاء للكائنات الأصلح بيئيًا، عبر تراكماتطفيفة على مدى ملايين السنين — فإننا لا نرى فيه صراعًا أعمى، بل سنةً من سنن الله في تنمية الحياة،وانتقالها من البسيط إلى المعقّد، ومن التلقائي إلى الواعي.
إن الله لم “ينفخ” الكائنات دفعة واحدة، بل خلقها طورًا بعد طور، كما ورد:
“وقد خلقكم أطوارًا” (نوح: 14)
فالتطوّر، من خلية إلى كائن، ومن نبات إلى إنسان، ليس نقيض الخلق، بل أسلوب الخلق نفسه، وفققوانين وضعها الله في الوجود، تُدار وفق معلومات دقيقة، وتُنتج تنوعًا وغائية لا ينفيها العلم بل يُبهَر بها.
الانتخاب الطبيعي، إذًا، ليس قوةً مستقلة، بل أداة إلهية تسير بسنن مضبوطة نحو هدف أكبر: إيجادالإنسان القادر على الوعي، الفهم، والهداية.
الإنسان الذي فُطِرَ على الحرية، وعُلِّمَ الأسماء، وحُمِّلَ الأمانة.
بهذا الفهم، لا يكون التطور “بديلًا لله”، بل مُعرّفًا على طريقة الله في الخلق.
وهكذا تُفتح أمامنا قراءة حضارية جديدة للوجود، تتصالح فيها البيولوجيا مع الغائية، والتطور معالمقصد، والعلم مع الوحي.
وتتجلى في النهاية صورة الله، لا في نفي السنن، بل في إحكامها.
