فلاح الكلابي
أن يختلف الابن مع أبيه أو أمه، فهذا طبيعي، فالحياة لا تخلو من الخلافات. لكن أن يتحول الخلاف إلى اعتداء، وأن يرفع الابن يده على من ربّاه، فهذا ليس خلافاً بل سقوط للإنسان نفسه.
قبل أيام ظهر مقطع فيديو على مواقع التواصل يصعب تصديقه.
شابان يتهجمان على أبيهما، يكسران بيته، ويهددانه بالقتل إن لم يخرج. لم يكن المشهد مجرد حالة غضب بل إعلاناً عن خلل عميق يضرب في جذور المجتمع. فحين ينهار جدار الأبوة والأمومة، ماذا يبقى ثابتاً؟
لقد أوصى الدين والإنسانية ببر الوالدين وجعل احترامهما خطاً أحمر. يقول الإمام علي عليه السلام: «برّ الوالدين أكبر فريضة». هذه ليست مجرد نصيحة أخلاقية، بل قاعدة وجودية؛ فالعلاقة بين الابن ووالديه هي الرابط الأول الذي يمنح للحياة معناها، ومن يهدم هذا الرابط يجرد نفسه من إنسانيته.
التجاوز على الوالدين ليس جريمة عائلية فقط، بل جريمة بحق المجتمع كله. فالذي لا يحترم أباه وأمه، لن يحترم معلمه، ولا قانونه، ولا وطنه. ومن يعتاد على التمرد داخل البيت، سيعتاد على الفوضى خارجه.
إن ما رأيناه لا ينبغي أن يمر مرور الكرام. نحن بحاجة إلى وقفة حقيقية، لا شعارات ولا مواعظ عابرة. المطلوب قانون واضح وصارم، يجرم الاعتداء على الوالدين قولاً وفعلاً وتهديداً، ويضع عقوبات رادعة تحمي مكانتهم. فالقانون هو الملجأ الأخير حين تسقط القيم، وهو السقف الذي يعيد الهيبة لما يجب أن يبقى مقدساً.
قد يخطئ الأب أو يقسو، وقد تظلم الظروف بعض الأمهات والآباء، لكن مواجهة ذلك بالعقوق والاعتداء هو خيانة للضمير، وانتحار للقيم. والابن الذي يمد يده على أبيه لا يدرك أنه في الحقيقة يقطع يده هو، لأن ما بين الابن ووالده ليس رابطة قانونية فحسب، بل هو شريان حياة.
المجتمع الذي يحمي الوالدين يحمي نفسه. والمجتمع الذي يسكت عن ضربهم يفتح الباب للفوضى في كل شيء. فكيف نطلب من شاب لم يعرف قيمة أبيه أن يعرف قيمة وطنه؟ وكيف نرجو من جيل لم يتعلم الرحمة في بيته أن ينشرها في مجتمعه؟
لقد آن الأوان لنرفع الصوت
بر الوالدين ليس خياراً شخصياً بل مسؤولية اجتماعية. وإذا لم تُسن قوانين تحفظ هذه المكانة، فإن مقاطع مثل الذي شاهدناه ستتكرر، وسيكبر جيل لا يرى في الأب إلا خصماً، ولا في الأم إلا عبئاً.
الرحمة تبدأ من البيت، فإذا انهارت داخله فلن نجدها خارجه. ومن هنا يجب أن ندرك أن احترام الوالدين هو حجر الأساس لكل ما تبقى.
